19 آذار 2013

مجزرة حلبجة و الذاكرة التاريخية

في 16 آذار/مارس 1988 ، بعد يومين من القصف بالنابالم والصواريخ ،قام صدام حسين مع علي حسن المجيد بشن هجوم بالاسلحة الكيماوية على بلدة حلبجة في جنوب إقليم كردستان. تسبب الهجوم الذي دام خمس ساعات مقتل ما بين 3000 و 5000 شخص، وإصابة ما بين 7000 و 10000 آخرين معظمهم من المدنيين. و لقد كان هذا الهجوم أكثر كارثية و شدة من أي هجوم آخر في التاريخ تم بإستخدام الأسلحة الكيميائية ، مع فقدان العديد من الضحايا لحياتهم بسبب السرطان و إستمرار معاناة بعضهم إلى هذا اليوم. و يمكن القول أن هذا الحادث ينظر إليه على أنه إستمرارية لحملة "الأنفال" التي قام بها صدام حسين (ما بين 1986 و 1989) و التي إستُهدفت خلالها مختلف الأقليات في العراق بهدف "تعريب" الأمة ، فإنه يمثل أيضا نقطة مهمة في الذاكرة العراقية و الدولية و إلى طريقة تعاملهم مع هذا التاريخ. ويمكن أن نسلط الضوء على هذا الموضوع بشكل أكثر تحديدا بطرح السؤال: ما هي بعض الطرق المتبعة حديثاً التي إستطاع المجتمع الدولي أن يعبر من خلالها عن هجوم حلبجة بأنها إبادة جماعية، وكيف ينظر أكراد العراق إلى هذه الأحداث؟

 

في ديسمبر 2005 ، بعد سبعة عشر عاما من حادثة الإبادة الجماعية، أعلنت محكمة الجرائم الدولية في لاهاي على ما يلي:"1) من الناحية القانونية وبشكل مقنع تم إثبات أن الجالية الكردية تتماشى مع التعريفات المدرجة تحت متطلبات الإعتراف بمجموعة كجماعة إثنية بموجب الإتفاقيات المتعلقة بالإبادة الجماعية. و 2) المحكمة ليس لديه إستنتاج آخر من ذلك الذي ينص على أن هذه الهجمات تم إرتكابها بقصد تدمير السكان الأكراد في العراق ". وبعد هذا الإعلان بدأت المحكمة الهولندية بالإستعداد لتقديم قضية ضد صدام حسين وفرانز فان إنرات الذي قام بإمداد صدام بالمواد الكيماوية. و مع أنه قد تم إعدام صدام أمام محكمة عراقية في عام 2006 قبل أن تجري أي محاكمة ضده ، إستمرت المحاكمة ضد فان إنرات و أصبح أول المدانين في العملية و ُحكم عليه في كانون الأول من 2005 بالسجن خمسة عشر عاماً على جرائمه ضد الأكراد.و تم أُعدام علي المجيد في كانون الثاني 2010 من قبل الحكومة العراقية لدوره في مجزرة حلبجة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية. تجدر الإشارة إلى أن الإبادة الجماعية للأرمن والقتل الجماعي للآشوريين في العراق في عام 1933، والمعروفة باسم مذبحة سيميلي ، كانت هي الأحداث التي يستند تعريف و تصنيف مصطلح الإبادة جماعية؟

 

على الرغم من أن محكمة لاهاي قامت بالإعتراف رسمياً بأحداث حلبجة المروعة على أنها إبادة جماعية ، فإن الاعتراف الدولي لم يتبع ذلك على وجه السرعة. في عام 2010 ، إعترفت المحكمة الجنائية العليا العراقية بالمجزرة كفعل من أفعال الإبادة الجماعية ، وتقريبا بعد مرور خمسة وعشرين عاما على الهجمات في حلبجة قامت المملكة المتحدة والسويد بتمرير قرارات تصنف هجمات حلبجة على أنها إبادة جماعية. و قال ناظم الزهاوي ، وهو عضو البرلمان البريطاني الكردي الأصل ، في كلمته أمام مجلس العموم: " وكما تمر أهوال المحرقة من الذاكرة الحية ، هناك خطر من أن حذرنا قد انخفض في مستواه ، وأننا إعتقدنا أن مثل هذه الأحداث الرهيبة تم حفظها و إغلاقها في كتب التاريخ وأنها لن تحدث أبدا مرة أخرى". ومع ذلك، فإن معظم الدول بما في ذلك كندا التي كانت أول دولة وصفت رسميا هجوم حلبجة كجريمة ضد الإنسانية ، لا تزال لم تعترف بتلك الأحداث على أنها إبادة جماعية. وفقاً لروداو ، و هي وسيلة إعلام كردية ومجموعة إخبارية خاصة ، فإن معظم الجهات المشاركة في الحملة الشعبية الكندية هي من المنظمات الشعبية المنتمية إلى المجتمع الكردي ومجموعات صغيرة أخرى ، على عكس حالات بريطانيا والسويد التي كان فيها دعم رسمي من حكومة إقليم كردستان ومن النائب البرلماني في الحالة المذكورة أعلاه.

 

ومع ذلك ، فإن هذه الحملات والأساليب المؤكدة للذاكرة لها آثار هامة وهي تتقدم وتكسب إهتماماً دولياً. على سبيل المثال ، من خلال التأكيد على طابع الإبادة الجماعية في مجزرة حلبجة تم توثيق هذا الحدث رسميا في الذاكرة العالمية إلى جانب فظائع أخرى مثل الإبادة الجماعية للأرمن والآشوريين بالإضافة إلى المحرقة (للجالية اليهودية) ، على الرغم من أن حادثة حلبجة فريدة من نوعها لأنها أيضاً تلعب دور مهم في تعزيز عدم الإنتشار الأسلحة الكيماوية بشكل عام.

 

وبينما يتم تشييد النصب التذكارية و تمرير القرارات الوطنية و الدلوية ، التي هي شكل من أشكال تعزيز الهوية وبناء الدولة ، يؤدي هذا إلى تأثير مهم آخر. من الؤكد أن أحداث حلبجة قانت بإستهداف الأكراد على وجه الخصوص ، ولكن مع مرور السنين وتضميد جراح هذه المأساة ، قامت هذه المأساة بتوثيق مكانة الجالية الكردية مع ثقافتهم مع تشجيعهم على إعطاء صوت مستقل دولياً. في الواقع ، ما سعى نظام صدام حسين لتحقيقه في القضاء على القومية الكردية جعل السكان الأكراد أكثر وعياً وتناغماً مع تراثهم الثقافي. وسواءً كان المشاركة في شكل الحكم الذاتي أو في حكومة إتحادية مع بغداد أو في أي نظام آخر، فإن الشعب الكردي الآن يكتب تاريخه بنفسه (كما في السابق) و البطريقة التي يختارها.

 

إن الآثار المادية و الجسدية التي تعرض لها الناس من الإبادة الجماعية و من حملة الأنفال بشكل عام لا تزال مرئية. أمراض الولادة وأمراض السرطان والجروح ، ناهيك عن الآثار النفسية ، لا تزال تتبع الضحايا وقد تستمر لفترة غير معروفة من الزمن. وعلى الرغم من أن الزهاوي كان يريد لبيانه أن يخدم أولا و قبل كل شيء هدفه السياسي ، يمكن أيضا ً أن يكون بمثابة إنذار للمجتمع الدولي لمنع وقوع مثل هذه الإخفاقات مرة أخرى.

قراءة 3338 مرات
قيم الموضوع
(5 أصوات)