طباعة
06 تشرين2 2012

مشاركة المجتمع المدني في محاربة الاتجار بالبشر

  • الثلاثاء, 06 تشرين2/نوفمبر 2012

عادت مشكلة الاتجار بالبشر لتحتل عناوين الصحف في المنطقة ثانية، وهذه المرة يتعلق الأمر بالاتجار بالفتيات والأرامل السوريات تحت ذريعة الزواج والحماية. يعيد هذا الأمر إلى الذاكرة الويلات التي جرتها الحرب على العراق حيث تعرضت بعض اللاجئات إلى محاولات للاتجار بهن في الدول المجاورة للعراق وبعض دول الخليج العربي. إن الاتجار بالبشرة ظاهرة تنشط في الحروب وحالات اللااستقرار.

تقول هارتلاند ألايانس إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية والتي عملت مؤخراً مع الحكومة العراقية والمنظمات المحلية غير الحكومية في هذا المجال أنه "كلما أجبر الناس على أن يصبحوا لاجئين، يصبحون ضعفاء وعرضة للاستغلال. هناك اتجار بالبشر في العراق حالياً، وربما يحدث الشيء نفسه داخل مجتمع اللاجئين السوريين."

وفيما يبقى العراق مصنفاً في الفئة رقم 2 – قائمة المراقبة بحسب آخر تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية "محاربة الاتجار بالبشر تقرير 2012"، فقد حقق بعض التقدم السنة الماضية ولديه بالتأكيد قانون جيد لمحاربة الاتجار بالبشر للاتكاء عليه.

مع ذلك وبالرغم من كل الجهود التي تبذلها منظمات دولية وووطنية، لاتبدو مشاركة المجتمع المدني في محاربة الاتجار بالبشر في العراق بالقوة التي يجب أن تكون عليها.

ضعف اللاجئين

في استجابة لعدد من التقارير حول قيام رجال أردنيين بالزواج من فتيات سوريات مقيمات في مخيم الزعتري للاجئين السوريين شمال الأردن تحت مسمى "حمايتهن"، أطلقت مجموعة من الناشطين السوريين حملة على الانترنت تحمل عنوان "لاجئات لا سبايا"، حسبما أورد موقع لبنان الآن.

في بلدان أخرى، يبدو أن الشيء نفسه يحدث. أما في مخيم القائم في الأنبار في العراق فتسمع قصصاً مختلفة. إذ أن الروابط العائلية والقبلية ما بين اللاجئين السوريين الذين بدؤوا مؤخراً بالعبور إلى العراق بحثاً عن ملجأ آمن، وبين المجتمعات المضيفة في العراق – هذه الروابط قوية جداً ويحترمها الجميع. وبحسب ما أوردته واحدة من المنظمات المحلية غير الحكومية تم تسجيل حالة تحرش جنسي واحدة فقط داخل مخيم القائم وتمت معالجتها على الفور. وهناك عامل آخر يلعب دوراً رئيسياً في حماية الفتيات السوريات صغيرات السن من مصير كهذا وهو الإغلاق شبه التام للمخيم من قبل الحكومة العراقية، والتي تراقب عن كثب حركة الدخول والخروج.

مع ذلك تلفت هارتلاند ألايانس النظر إلى حقيقة هامة: "يمكن أن يحدث الاتجار بالبشر داخل حدود البلد نفسه من دون حتى أن تعبر الضحية من دولة إلى أخرى. فمثلاً تعرضت العديد من النساء العربيات من الجنوب إلى الخطف على أيدي الميليشيات المسلحة عام 2006 وتم بيع بعضهن للعمل في البغاء في أقليم كردستان. والبعض الآخر تعرضن للنقل عبر الحدود إلى سورية والإمارات العربية المتحدة ولبنان. في كركوك قبضت قوات الشرطة على رجل كان يعمل على بيع النساء إلى سورية. ويمكن للشيء نفسه أن يحدث الآن في الاتجاه المعاكس، أي أن يتم إجبار النساء السوريات على العمل في الدعارة في العراق. حتى تاريخه، لم يتم الإبلاغ عن أي حالة من هذا النوع، ولكن من الممكن أن يكون هذا من الأمور التي تحصل الآن أو قد تحصل لاحقاً."

تدرك وكالات الأمم المتحدة بالتأكيد أن الاتجار بالبشر يحدث ومن بين هذه الوكالات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ويمكن لأي شخص يشتبه في حدوث حالات من الاتجار بالبشر أن يقوم بالاتصال بإحدى وكالات الأمم المتحدة. قدم الاتحاد الأوروبي مؤخراً تدريبات تهدف إلى بناء قدرات النظام القضائي وسواه من الجهات الحكومية ذات الصلة من أجل محاربة هذه الجريمة. كذلك تراقب المنظمة الدولية للهجرة وعدد من المنظمات النسوية الوضع وخاصة المنظمات التي تعمل للحد من العنف المبني على النوع الاجتماعي والتي تصادف بشكل روتيني بعض ضحايا الاتجار بالبشر.

من جهتها تلتزم هارتلاند ألايانس بمساعدة الحكومة العراقية وحكومة أقليم كردستان من أجل تطبيق قانون محاربة الاتجار بالبشر وهي على استعداد دائم لتقديم المشورة.

فيما يتعلق بوضع اللاجئين السوريين، تبرز الحاجة إلى اتخاذ إجراءات وقائية منذ الآن.

قوانين محاربة الاتجار بالبشر في المنطقة

أصدر كل من لبنان والأردن وسورية ومؤخراً العراق قوانين تحارب الاتجار بالبشر من أجل قمع كافة أشكال هذه الجريمة. يبقى أن على تركيا أن تصدر قانوناً مماثلاً.

بالرغم من دخول قانون محاربة الاتجار بالبشر في العراق والذي يصفه تقرير الخارجية الأمريكية بأنه "قانون شامل" حيز التنفيذ، لم يصدر أي حكم قضائي بموجبه حتى الآن. قام العراق بمحاكمة وإدانة بعض المتاجرين بموجب قوانين أخرى، مستخدماً تهم الخطف والاعتداء والتورط في البغاء لإدانتهم.

بموجب القانون المذكور وبحسب المادة 2 منه تم تشكيل لجنة مركزية تدعى "اللجنة المركزية لمنع الاتجار بالبشر" وعقدت عدداً من الاجتماعات ووضعت مسودة للتعليمات التنفيذية التي تفسر عادة بنود القانون بهدف تسهيل عملية تنفيذه. في أواخر شهر أيلول 2012، عقدت اللجنة اجتماعاً ترأسه محافظ بغداد من أجل "وضع استراتيجية لتفعيل مهام اللجنة"، والتي تتشكل من ممثلين عن وزارات الخارجية وحقوق الانسان والعدل والمالية والشؤون الاجتماعية والهجرة وكذلك مفوضية حقوق الانسان وحكومة أقليم كردستان والأقاليم العراقية، إلا أنها لا تضم في عضويتها أي منظمة مجتمع مدني.

هارتلاند ألايانس في العراق

نفذت هارتلاند ألايانس مؤخراً مشروعاً في العراق قامت بموجبه بتقديم التمثيل القانوني والخدمات الاجتماعية لضحايا الاتجار بالبشر، وساعدت الحكومة العراقية على مقاضاة المتاجرين، ودربت قوات تطبيق القانون والمنظمات غير الحكومية على تحديد حالات الاتجار بالبشر والتصرف حيالها.

تم تنفيذ المشروع في كل من بغداد والبصرة وأقليم كردستان وكذلك في الأردن ولبنان. وحصل على المساعدة بموجبه أكثر من مئتي ضحية في فترة زمنية مقدارها ثلاث سنوات في العراق ولبنان والأردن، علماً بأن العدد الأكبر من هؤلاء كان في بغداد. وساعدت منظمة هارتلاند ألايانس على مقاضاة أكثر من 12 شخصاً لقيامهم بإجبار النساء على العمل في البغاء أو أشكال أخرى من العمل القسري. وفي القضايا التي تم تحويلها إلى المحاكمة في العراق قبل صدور القانون، تم النظر فيها على أنها قضايا اغتصاب ووجهت تهم الاغتصاب إلى مرتكبي الجريمة.

من الهام جداً أن نورد هنا تعريف الاتجار لأن الناس أحياناً تخلط ما بينه وبين تهريب البشر أو الدعارة، حسبما تقول هارتلاند ألايانس.

الاتجار بالبشر هو القيام بتجنيد أو احتجاز أو بيع أو تلقي شخص من خلال استخدام القوة والإكراه أو وسائل أخرى بهدف استغلال هذا الشخص. ويعني الاتجار بالبشر أن المتاجر يجبر شخصاً ما على القيام بأعمال أو تقديم خدمات من دون موافقة هذا الأخير أو من خلال خداعه. ومن بين أشكال الاتجار بالبشر هناك البغاء القسري واحتجاز جواز السفر والقيام باستغلال خدم المنازل مثلاً جسدياً أو جنسياً، وكذلك خداع الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة للعمل من دون أجر. يمكن أن يحدث الاتجار بالبشر داخل حدود الدولة أو بالعبور ما بين دولة وأخرى.

كان معظم الضحايا الذي قدمت هارتلاند ألايانس المساعدة لهم من النساء والفتيات اللوات تم إجبارهن على ممارسة البغاء. كما ساعدت المنظمة بعض العمال الأجانب وكذلك تعاونت مع المنظمة الدولية للهجرة والحكومة العراقية وحكومة أقليم كردستان من أجل صدور قانون محاربة الاتجار بالبشر في العراق وقد صدر في الربيع الماضي.

وحالياً تعمل هارتلاند ألايانس مع اللجنة المركزية من أجل تنفيذ القانون.

ثغرات في محاربة الاتجار بالبشر

تعتقد هارتلاند ألايانس أن هناك عدد من الثغرات التي يجب التغلب عليها.

بما أن هناك مناطق في العراق أصبحت أكثر استقراراً، عادت العمالة الأجنبية للدخول إليه وبخاصة إلى أقليم كردستان. والثغرة الكبرى هنا هي عدم استجابة الحكومة لحماية العمالة الأجنبية الذين يتعرضون لاحتجاز جوازات سفرهم أو يتم إجبارهم على القيام بأعمال لم يوافقوا على القيام بها، أو يتم استغلالهم من قبل أرباب العمل. أظهر تقرير نشر مؤخراً عن العمالة المنزلية في الأردن ولبنان أن أكثر من نصف العمالة الأجنبية الموجودة هناك تعروضوا لأذى جسدي من قبل أرباب العمل وأجبروا على القيام بأعمال لم ترد في عقود عملهم، وفي بعض الحالات تعرضوا لاعتداء جنسي من قبل أرباب العمل. والمشكلة نفسها موجودة في العراق. لذلك على الحكومة العراقية وبخاصة حكومة أقليم كردستان أن تضع آليات تطبيقية بحيث يمكن للعمالة الأجنبية أن تشتكي عند حدوث إساءة وأن يكون هناك من ينصت لهذه الشكاوى ويقدم الحماية. يجب عدم السماح لأرباب العمل احتجاز جوازات سفر العمال أو منعهم من مغادرة المنزل الذي يعملون فيه. على الحكومة أن تضع ضوابط على وكالات التوظيف وتتأكد من أن هذه الوكالات تزود العمالة الأجنبية بمعلومات عن حقوقهم. بالرغم من الخدمات القيمة التي تقدمها وكالات التوظيف إلا أن عليها أن تساعد في منع الاتجار بالبشر وكذلك يجب أن يتم تنظيم هذه الوكالات ومراقبتها من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية.

تتعرض النساء والفتيات اللواتي تم إجبارهن على العمل في البغاء لمخاطر جمة في كل أنحاء العراق. وفي بعض الحالات لا تعتبر قوات الشرطة والقضاة أن الإكراه أو الإجبار دفاع كاف في قضايا الدعارة. من الهام جداً أن يتذكر المرء أن المرأة عندما تجبر على ممارسة البغاء فهي ضحية وليست مجرمة. وأحياناً تكون النساء والفتيات قد أجبرن على ذلك من قبل عائلاتهن. وفي هذه الحالة تشعر عائلات أخرى بالعار مما حدث وتلوم الفتاة وتحاول حتى قتلها. من هنا فإن التخطيط لحماية الضحية وسرية الحالة يلعبان دوراً هاماً. يمكن في حالات كثيرة أن يتم لم شمل الضحايا من النساء مع عائلاتهن، ولكن يجب ترتيب لم الشمل هذا ومراقبته بحذر شديد. وتبرز مشكلة أخرى على هذا الصعيد فالنساء اللواتي لا يمكن لم شملهن مع عائلاتهن يجب أن يحصلن على حياة آمنة ومستقلة من دون أن يقعن ضحية للاتجار بهن مرة أخرى.

على أي منظمة تعمل مع ضحايا الاتجار بالبشر من النساء أن تمتلك خبرة في حماية ضحايا العنف المبني على النوع الاجتماعي، لأن بعض المشاكل التي تواجهها النساء هي ذاتها في الحالتين. كما أن على أي برنامج من هذا النوع أن يتبنى مقاربة تركز على الضحية. ولا يكون الحل السهل هو الحل الأفضل في بعض الحالات. فضحايا الاتجار بالبشر يفقدن القدرة على اتخاذ القرارات فيما يخص حياتهن. ولذلك تتحمل البرامج التي تقدم المساعدات لهؤلاء المسؤولية عن حمايتهن وأيضاً عن تعزيز قدرتهن على اتخاذ مثل هذه القرارات.

بناء القدرات

في مشروعها في العراق، عقدت هارتلاند ألايانس شراكات مع منظمات محلية مثل هاريكار والمسلة في أقليم كردستان، وتلقت هذه المنظمات تدريباً حول الخدمات القانونية والوساطة. كما تم بناء قدرات هذه المنظمات من خلال التعلم بالممارسة بحكم عملها اللصيق مع منظمة دولية تعنى بحقوق الانسان والاستجابة إلى الاحتياجات الانسانية لدى المجموعات المهددة وخاصة الفقراء والمعزولين والنازحين من خلال تقديم الخدمات الشاملة والمحترمة لهم وتعزيز الحلول الدائمة بهدف بناء مجتمع عادل.

وأيضاً قامت هارتلاند ألايانس بتدريب رجال الشرطة والأسايش في أقليم كردستان. وربما يراقب البعض من هؤلاء حالياً الوضع في ضوء تدفق اللاجئين السوريين مؤخراً إلى العراق. وهناك من رجال الشرطة من يفهم جيداً جريمة الاتجار بالبشر ويمكن الاعتماد عليهم لمساعدة الضحايا بطريقة انسانية.

المشاركة الآن

بحسب هارتلاند ألايانس يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أن تشارك في محاربة الاتجار بالبشر بطرق متعددة.

أولاً يمكن لهذه المنظمات أن تعمل على تثقيف نفسها وتثقيف المجتمع العراقي حول الاتجار بالبشر وتعزيز فكرة أن النساء والفتيات لسن سلعة. وكذلك أن النساء اللواتي يتم إجبارهن على البغاء ضحايا ولسن مجرمات. كما يجب عدم إرغام النساء والفتيات على الزواج من دون رضاهن، أو مبادلتهن من أجل تسوية خلافات قائمة بين العائلات، كما يحدث في بعض أنحاء العراق حتى الآن. تغيير هذا النمط من التعامل يحتاج إلى تثقيف وفي هذا المجال يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أن تلعب دوراً كبيراً.

ثانياً هناك العديد من المنظمات النسائية التي تقدم خدمات هامة إلى ضحايا الاتجار. لكنها بحاجة إلى مزيد من التمويل وإلى دعم رسمي من المؤسسات الحكومية. ويمكن للمنظمات النسائية أن تعمل بالتعاون مع الشرطة لمراقبة حقوق النساء وتثقيف رجال الشرطة لناحية التعرف على الضحايا.

ثالثاً يمكن لهذه المنظمات أن تقدم المعلومات للمنظمة الدولية للهجرة التي تتابع وترصد حالات الاتجار بالبشر في العراق.

رابعاً على المنظمات أن تتذكر أن العمالة الأجنبية قد تقع ضحية للاتجار أيضاً. ومطلوب منها وخاصة تلك التي لديها مشاريع تتضمن خدمات قانونية أو تدير دور إيواء أن تكون مستعدة لمساعدة العمالة الأجنبية عند الحاجة إن كانت هذه العمالة مهددة بالعنف.

كل منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة في العراق مدعوة لتقديم المزيد من المبادرات لمنع الاتجار بالبشر وحماية الضحايا. كل هذه المنظمات مدعوة للمشاركة في محاربة الاتجار بالبشر.

قراءة 2890 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)