31 تموز 2012

لحظة حاسمة في تحديد الإطار القانوني للحريات المدنية في العراق: مسودة قانون جرائم المعلوماتية

إن هذا التحليل جزء من سلسلة مقالات نشرتها لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية لأجل العراق مؤخراً وتتضمن مراجعة لعدد من مسودات القوانين المتعلقة بالحريات المدنية في العراق (تجدون روابط المقالات السابقة لاحقاً). وفي الشهر القادم ستقوم اللجنة بنشر تقرير شامل حول الآليات القانونية والأمنية ذات الصلة بتراجع الحريات المدنية في العراق مع التركيز على "حرية التعبير".

لحظة حاسمة

خلال السنتين الماضيتين، تم عرض خمسة أجزاء جديدة من التشريع المثير للمشاكل والمتعلق بالحريات المدنية ويحد بشكل خاص من حرية التعبير. ستحدد هذه القوانين بعضاً من أهم الأطر الأساسية لصون الحريات المدنية في العراق. إلا أنها تتكئ على وتعيد تجديد نقاط ضعف موجودة سابقاً في التشريعات غير الليبرالية والتي تعود للإدارة البعثية (مثل قانون العقوبات لعام 1969)، وكذلك لسلطة الائتلاف المؤقتة (مثل الأمرين رقم 14 ورقم 18 لعام 2003). كما أن هذه التشريعات تعاني من فقرات جديدة متعددة غير متوائمة مع التزامات العراق الدستورية والدولية. واحد من هذه التشريعات قد تم إصداره بالفعل وهو قانون حقوق الصحفيين لعام 2011. وربما تكون مسودة قانون جرائم المعلوماتية العراقي هو الأضعف من بين الخمسة على الإطلاق. كما أن القلق حوله له ما يبرره بما أن التصويت عليه من قبل البرلمان العراق سيتم في منتصف العام الحالي 2012.

الالتزامات بموجب الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

يعلي الدستور العراقي من شأن حرية "الاجتماع والاحتجاج السلمي"، وكذلك حرية التعبير بما فيها "حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر"، ما لم يهدد أي منها "النظام العام والأخلاق العامة" (المادة 38). وبالمثل فإن العراق من الدول الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966ز وتنص المادة 19.2 من هذا العهد على أن لـ "كل شخص حرية التعبير" بما في ذلك "حرية السعي للحصول على وتلقي المعلومات والأفكار من كافة الأنواع، بغض النظر عن الحدود وذلك إما شفهياً أو كتابياً أو طباعة أو بشكل فني أو من خلال وسائل إعلامية يقوم الشخص باختيارها." ويحدد النص أكثر فيقول أن أي عمل للحد من هذا الحق، كـ "حرية الاجتماع السلمي" (المادة 21) أو "حرية الاختلاط" (المادة 22.1)، يجب أن ينجم عن ضرورة حتمية للحفاظ على "الأمن الوطني أو السلامة العامة والنظام، أو حماية الصحة أو الأخلاق العامة" (المواد 19.3 و21 و22)، أو في حالة الاختلاط والاجتماع "حماية حقوق وحريات الآخرين" (المواد 21 و22.2).

من أجل الموائمة مع هذه الالتزامات القانونية، هناك حاجة لأن يصدر المشرع العراقي قانوناً جديداً يوضح أن هذه القيود على الحريات تأتي دفاعاً عن الشعب ضد مخاطر جدية وآنية تتهدد الأمن العام. وماعدا ذلك تشكل هذه القيود عوائق غير متوازنة أو ما يشبه العقوبات المفروضة على الحريات التي يكفلها الدستور العراق والالتزامات القانونية بموجب الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها العراق.

مسودة قانون جرائم المعلوماتية العراقي: مراجعة المواد

تمت قراءة مسودة قانون جرائم المعلوماتية العراقي حول مزودي الانترنت ومستخدميها من قبل مجلس الوزراء في عام 2011. وتنتظر هذه المسودة الآن أن تتم قراءتها والتصويت عليها في البرلمان العراقي كي تصبح تشريعاً ملزماً.

إن التعريف الفضفاض لكلمة "تشهير" يهدد النقد الأساسي والضروري للسياسة وصانعيها. فبحسب مسودة القانون، فإن الأشخاص الذين يستخدمون الانترنت "لإضفاء تعابير أو صور أو أصوات أو أي وسائل أخرى تتضمن... الإهانة للآخرين" يكونون عرضة للسجن ضمن عقوبة أقصاها السجن لمدة سنتين ودفع غرامة تتراوح ما بين 3 إلى 5 ملايين دينار عراقي (المادة 22.3). أما السجن مدى الحياة فهي عقوبة من يستخدمون الانترنت "لأذية سمعة البلاد" (المادة 6.1)، وكذلك هي عقوبة من "نشر أو بث أنباء عن أحداث مضللة بهدف إضعاف الثقة في النظام المالي الالكتروني، الوثائق التجارية أو المالية الالكترونية، أو أشياء مشابهة، أو الإضرار ... بالثقة المالية في الدولة" (المادة 6.3). يجب أن يكون التشهير مسألة مدنية. وحتى عندما يكون التشهير جريمة مدنية، يجب الفصل تماماً ما بين الدولة كدولة والهيئات التي تعرضت "سمعتها" للتشهير، بما أن الحاجة إلى نقد الدولة ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية الحقة. ولكن بالوضع الذي كتبت عليه حالياً، فإن المادة 6 بفقرتيها 6.1 و6.3، يمكن أن تمنع فعلياً مجرد النقاش حول النظام الاقتصادي أو المالي أو الإداري للدولة ناهيك عن توجيه أي نقد له. إن أي نقاش مقنع ومستند إلى الحقائق وناقد للوضع الحالي يهدف إلى تشجيع الإصلاح، سيضعف الثقة في نظام الدولة بسبب وضعه الحالي وذلك في المنظور القريب على الأقل. وعلى النسق نفسه، فإن المادة 22.3 ومن خلال مفهومها الفضفاض لكلمة "إهانة" يمكن أن تشمل حتى المواد البريئة مثل الرسوم الكاريكاتورية للسلطات أو المقالات الساخرة التي تتناول تصرفات السلطة.

وعلى مثال الفقرات المتعلقة بالتشهير، فإن تعريف الجرائم التكنولوجية ذات العلاقة بـ "الأمن" يعاني هو الآخر من الفضفضة. وهذا بدوره يهدد مساحة إعادة تقييم سياسة الدولة في المجال الأمني أو الكلام عنها. إن تجريم نشر الأفكار أو مناقشتها حتى إن كانت أفكاراً حول الأمن الوطني يجب أن يرقى إلى معايير تقيس مدى خطورة التهديد المزعوم أو مدى احتمال أن يكون تهديداً خطيراً ومباشراً على أمن الشعب على أرض الواقع. ولكن العديد من مواد مسودة القانون لا ترقى إلى مثل هذه المعايير. "إن إنشاء موقع الكتروني أو إدارته بهدف تشجيع أو تسهيل تنفيذ أفكار هدامة للنظام العام" (المادة 4.1)، و"نشر معلومات حول إعداد واستخدام المواد القابلة للإشتعال أو المتفجرة" (المادة 4.3)، أو "نشر معلومات حول استعمال مواد لتغيير الفكر" (المادة 5.2)، جميع هذه المواد لاترقى إلى المعايير المذكورة.

إن المواد المقابلة للمادة 4 (4.1 وكذلك )4.2، كان قد تم استخدامها ضد الصحفيين الذين يكتبون عن حدوث هجوم إرهابي مثلاً. وسيسمح هذا القانون بمضايقة الصحفيين قانونياً لمجرد أن يكتبوا عن مشكلة استخدام المخدرات في منطقة معينة ما يمكن استخدامه لمعاقبة صحفي انتقد مثلاً أحد السياسيين. وبالفعل ففي مسودة قانون الانترنت لايتم تجريم هذه الأفعال التي تم تعريفها بشكل فضفاض وحسب، ولكنها تخضع أيضاً لعقوبات قاسية جداً. وتتضمن العقوبات الرادعة التي ينص عليها القانون السجن مدى الحياة وغرامات تتراوح ما بين 25 إلى 50 مليون دينار عراقي (ما بين 16 ألف إلى 32 ألف دولار أمريكي وهو أكثر بعشر مرات من دخل المواطن العراقي العادي). وهكذا فإن العقوبة غير متوازنة على الإطلاق مع التهديد المزعوم.

كما تفتقد مسودة القانون موضع نقاشنا الأنواع الأخرى الضرورية من الحماية للمخبرين في القطاعين الخاص والعام. إذ تمنع المادة 7 والمادة 9 اعتراض البيانات المالية، كما تحظر المادة 19.1 نشر أي مواد تم الحصول عليها بشكل غير قانوني. ويجب تعزيز هذه المواد بفقرة تسمح بمثل هذا النشر إن كان يصب في المصلحة العامة. وكمثال على ذلك نورد أن يتلقى أحد الصحفيين بريداً الكترونياً من مجهول بخصوص احتيال ما يمارسه شخص في وظيفة عامة ولكن عن طريق بنوك خاصة مثلاً. إن مسودة القانون الحالية تجرم مثل هذا الفعل بغرامة تصل حتى 10 ملايين دينار عراقي والسجن لمدة عشر سنوات. ومثل هذه العقوبة تشكل رادعاً خطيراً في وجه قيام الصحفي بالكتابة عن الأمر حفظاً للمصلحة العامة.

في هذه الأثناء فإن الدخول بشكل كامل للحصول على المعلومات الخاصة بالأفراد من قبل السلطات مسموح به من دون أي عوائق. فمثلاً "الامتناع عن تقديم أي معلومات أو بيانات للسلطات الإدارية" موضوع في خانة الجريمة بينما لا يوجد ما ينص على وجوب أن تقدم السلطات سبباً أو مذكرة للحصول على هذه المعلومات (المادة 18). وتعطي المادة 13 أذناً مماثلاً للـ "السلطات الأمنية والجهات المسؤولة عن إصدار الرخص". وهذا ما قد يسمح مثلاً لأي من السلطات الحكومية بأن تطلب من وسائل الإعلام الكشف عن مصادر معلوماتها من دون أن تبرز أي سبب لمثل هذا الطلب.

وبحسب المادة 29 يمكن في أي محاكمة أن "تقرر المحكمة الحجز على أو إتلاف الأدوات والأجهزة والبرامج والآلات المستخدمة في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في هذا التشريع." وهكذا فإن هذه المادة تتنكر للمبادئ الأساسية من مسار المحاكمات من خلال السماح بتدمير الأدلة قبل صدور الحكم أو استنفاذ أحكام الاستئناف.

إن فقرات مسودة القانون هذه تعني أن العديد من الأشكال الجديدة لوسائل الإعلام يمكن حظرها ومنع استخدامها بالكامل في العراق. وبما أن القانون يفشل في التفريق ما بين مستخدم الانترنت ومزود الخدمة (كمثال اليوتيوب أو الفيسبوك)، يمكن إغلاق مزود الخدمة كلياً إن كتب أحد مستخدميه شيئاً ما عن عقار غير مرخص مثلاً. ويمكن أيضاً إغلاق وسيلة إعلامية نتيجة خطأ ارتكبه أحد المدونين، ما يشجع على الرقابة الذاتية ما بين مستخدمي الانترنت والعاملين في إدارتها.

الاستنتاجات

يجب أن تخضع مسودة قانون جرائم المعلوماتية للمراجعة من أجل إبراز المبدأ القائل بأن العبء يقع دوماً على عاتق الدولة لإظهار أن الحد من الحريات يأتي دفاعاً عن الشعب تجاه خطر حقيقي محدق ومحتمل. إن فرصة المراجعة موجودة بما أن مسودة القانون تنتظر القراءة النهائية لها في مجلس النواب العراقي في الأسابيع القادمة. إما إن لم تتم مراجعتها، فسيصبح هذا القانون حلقة أخرى من سلسلة القوانين الضعيفة التي تحتوي على العديد من الفقرات غير الليبرالية الموروثة من الإدارات الثلاثة السابقة في العراق، وقابلة للاستخدام في السنوات القادمة في البلاد بالرغم من أنها غير متوائمة مع معظم الالتزامات القانونية الأساسية التي التزم بها العراق بموجب دستوره الحالي والتزاماته الدولية.

قراءة 1728 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)