03 تموز 2012

مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والإجتماع والتظاهر السلمي في العراق: الفجوات والفرص

 

لحظة حاسمة في تحديد الإطار القانوني للحريات المدنية في العراق 

 

خلال العامين الماضيين تم طرح خمسة قوانين هامة من شأنها أن تؤطر لأهم التشريعات التي تصون الحريات المدنية في العراق. إلا أن الإشكالية هنا هو أن كل قانون من هذه القوانين الخمسة يحتوي على عدد كبير من البنود التي لا تتوافق والدستور العراقي ولا تتوافق كذلك مع التزامات الدولة العراقية تجاه الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها، ما يضعف قدرة هذه القوانين على صون الحريات التي وضعت أساساً للحفاظ عليها.

 

وبينما نجد بعض التحسينات الإيجابية في مجال حقوق الصحفيين ضمن قانون الصحافة، إلا أن مواد أخرى في القانون نفسه قد تسببت بجدل كبير عند صدوره في آب 2011. كما أن مسودات كل من قانون هيئة الاعلام والاتصالات، وقانون جرائم المعلوماتية الخاص باستخدام الإنترنت، وقانون الأحزاب السياسية، تحتوي على ثغرات واضحة تحتاج إلى مراجعة قبل إصدار هذه القوانين. أما مسودة قانون حرية التعبيرعن الرأي والإجتماع والتظاهر السلمي فهي رابع حالة تعبر تماماً عن عدد من القوانين الرئيسية المتعلقة بالحريات المدنية والتي لا تزال مسودات لم تصدر بعد وتعاني من ثغرات ملحوظة ولكن ما يزال بالإمكات تعديلها قبل أن تصبح قوانين نافذة.

 

الالتزامات الدستورية والدولية

 

إن العراق من الدول الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966(ICCPR) والذي تنص المادة 19 منه في بندها الثاني على أن "لكل شخص الحق في حرية التعبير" بما في ذلك "حرية التماس المعلومات والأفكار من جميع الأنواع وتلقيها ونقلها دون اعتبار للحدود سواء بالقول أو الكتابة أو الطباعة، في شكل فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها". كما أن أي تقييد لهذه الحرية أو "حرية الاجتماع السلمي" (المادة 21) أو "حرية تكوين الجمعيات" (المادة 22 البند الأول)، لا يحدث إلا للضرورة القصوى وبداعي الحفاظ على "الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة" (المادة 19 البند الثالث والمادة 21 والمادة 22) أو في حالة حرية الاجتماع أو تكوين الجمعيات لغرض "حماية حقوق الآخرين وحرياتهم" (المادة 21، والمادة 22 البند الثاني).

 

وعلى المنوال نفسه يكفل الدستور العراقي "حرية الاجتماع والتظاهر السلمي" و"حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل"، بما في ذلك "حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر"، "بما لا يخل بالنظام العام والآداب" (المادة 38 .

 

مواد مسودة مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والإجتماع والتظاهر السلمي

 

 

 

في معظم مواد مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والإجتماع والتظاهر السلمي هناك من الغموض المفرط أو التناقض المباشر مع المبادئ الواردة في الدستور العراقي أو العهد الدولي المذكور أعلاه، ما قد يفتح الباب على مصراعيه للإعتداء على الحريات المدنية في العراق. ولهذا السبب بالذات يتوجب إعادة النظر في هذا القانون بشكل جدي قبل صدوره.

 

 

 

فمسودة القانون الحالية تحد من الحريات التي من المفترض أنها وضعت لتصونها، وذلك من خلال التعريف الوارد في المسودة والقائل أن حرية التعبير عن الرأي وحرية الحصول على المعلومات هي "حق للمواطن" العراقي فقط من دون ذكر لحقوق أي فئات أخرى من الأشخاص (المادة 1 البندان الأول والثاني). ما يعني أن حقوق الأشخاص من غير المواطنين العراقيين في التعبير عن آرائهم ، أوالبحث عن المعلومات في الدولة العراقية، أو المشاركة في التجمعات في العراق غير محمية على الإطلاق حسب المسودة الحالية لهذا القانون.

 

 

 

من ناحية أخرى ووفقاُ للمسودة الحالية فإن "الاجتماع العام" القانوني (المادة 1 البند الخامس) هو المظاهرة المتحركة المرخصة والتي لا يمكن القيام بها في شارع عام (المادة 8 البند الثاني) قبل الساعة السابعة صباحاً أو بعد العاشرة ليلاً (المادة 8 البند الثالث والمادة 10 البند الثاني) و(المادة 7 الخاصة بالترخيص للمظاهرة). وفقاً لما سبق فإن هذه القيود الجغرافية والزمنية تقضي مسبقاً على الحق في إقامة إضراب أو إعتصام، مع أن هذه الأنشطة لا تخل بالنظام العام أوالآداب في حد ذاتها. وبالتالي فإن استبعادها يتناقض حكماً مع الدستور العراقي. ولهذا يستحسن في مسودة القانون أن تنص بوضوح على الحق في الإضراب والإعتصام ضمن التعريف المذكور لأنواع التجمعات العامة في المادة رقم 1 بما لا يتناقض مع المواد اللاحقة، بدلاً من إغفال ذكر هذين النوعين من التجمعات وحظر مكوناتهما كما هو الحال حالياً. أما المادة 7 فتنص في بندها الأول على أن التجمعات العامة تحتاج إلى "إذن مسبق من رئيس الوحدة الإدارية المعنية قبل خمسة أيام" من القيام بها. ويشمل طلب الإذن على تقديم أسماء "لجنة لا تقل عن ثلاثة أشخاص" مسؤولين شخصياً عن تنظيم هذا التجمع (المادة 7 البند الثاني)، وعن التزام هذه اللجنة بالهدف المعلن للتجمع وتوقيته وموقعه، وهي كلها معلومات مطلوبة اجباري للحصول على الإذن. إلا أن "الوحدة الإدارية المعنية" المذكورة في المادة 7، غير محددة وبالتالي يبقى هذا البند مفتوحاً أمام التفسير العشوائي. وكذلك فإن مطلب الترخيص المسبق لكل التجمعات العامة يضع عبئاً لا لزوم له على حق الاجتماع السلمي، ناهيك عن تحميل المنظمين لمثل هذا التجمع مسؤولية حدوث أي تغيير في البرنامج. عموماً ينبغي أن يكون الإعلان عن نية لعقد اجتماع عام كافياً بالنسبة للسلطات الأمنية للحفاظ على النظام العام والآداب العامة.

 

 

 

إن من الشروط المسبقة والأساسية لضمان حرية التعبير عن الرأي بشكل كامل أن يتمكن الأفراد من الوصول إلى المعلومات وإجراء البحوث، وكذلك حقهم في نشر نتائج مثل هذه البحوث. إلا أن المادة 1 البند الثالث من مسودة القانون وبالرغم من أنها خطوة هامة تناقش "تأسيس قاعدة بيانات مفتوحة ليتمكن الجمهورمن الاطلاع عليها" من قبل "الوزارات وكذلك الإدارات غير المرتبطة بوزارة"، فهي في صياغتها ليست نصاً ملزماً ما يقلل من فائدتها العملية ويتوجب تعديلها لجعلها ملزمة لهذه الجهات. وبالمثل من الممكن تعزيز المادة من خلال الإشارة الصريحة إلى "جميع مؤسسات الدولة" وتحديد السلطات المسؤولة التي يقع اللوم عليها في حال لم يتم تأسيس قاعدة البيانات المذكورة. وتسمح المادة 3 البند الثالث في الطعن بشأن حجب المعلومات من قبل جهة رسمية واحدة فقط هي المفوضية العليا لحقوق الانسان. وحتى ولو تجاهلنا شكوك بعض الناشطين حول حيادية المفوضية تحت إدارتها الحالية، فإن النص على وجود وسائل قضائية (وليس إدارية فحسب) للقيام من خلالها بالطعن أمر ضروري لصون حق على هذا المستوى من الأهمية. ويمكن القيام بذلك عن طريق السماح بالطعن مباشرة عن طريق القضاء بالإضافة إلى الطعن عن طريق المفوضية، أو من خلال إلزام المفوضية بالرد على طلب الطعن في فترة زمنية محددة (ثلاثة أيام مثلاً)، والسماح بالطعن عن طريق القضاء في حال رفضت المفوضية الطعن المقدم أو لم تستجب خلال الفترة المحددة.

 

 

 

أخيراّ، تكفل المادة 4 "حرية البحث العلمي من خلال إجراء التجارب العلمية واستخدام الوسائل والشروط الضرورية للبحث كما تكفل نشر نتائج مثل هذه الأنشطة العلمية". إلا أن المادة نفسها تحصر الحق في إجراء البحوث ونشر البحوث في العلوم كالكيمياء والهندسة، من دون أي ذكر لأغراض البحوث في العلوم الإنسانية أو الاجتماعية ونشرها، وبالتالي تبقى مثل هذه البحوث غير مصانة بالرغم من أنها جزء لا يتجزأ من حرية التعبير وعلى الدرجة نفسها من الأهمية كسابقاتها، وبالتالي يترك عدم ذكرها في المادة 4 ثغرة كبيرة في التشريع.

 

 

 

فرص الحوار والتعديل: 

 

 

هناك عناصرفي القانون العراقي النافذ حالياً يعود تاريخها إلى كل من حكم حزب البعث (على سبيل المثال قانون العقوبات لعام 1969) وإلى سلطة الائتلاف المؤقتة (مثل الأمر رقم 14 لعام 2003) وكذلك الادارة الحالية (مثل قانون حماية الصحفيين لعام 2011)، وجميعها تحتمل إعادة التقييم من أجل الإيفاء بالواجبات المحددة في الدستور العراقي حول صون وضمان الحريات المدنية في العراق. إلا أن بعض مسودات القوانين كالمذكورة أعلاه تمثل فرصة فريدة لصانعي القرار للمشاركة في الحوار القائم حالياً بين المجتمع المدني والأكاديميين والحقوقيين من أجل تعديلها طالما أنها مازالت مشاريع قوانين لم تصدر بعد (مثل ورشة العمل التي نظمتها منظمة الأمل العراقية في أربيل في منتصف حزيران 2012 على مدى ثلاثة أيام، أو الندوة التي انعقدت في مقر منظمة ساوة لحقوق الانسان بالتعاون مع منتدى المنظمات غير الحكومية في محافظة المثنى في 18 شباط 2012)، بهدف المشاركة في إصلاح التشريعات قبل أن تؤثر سلباً على الإطار القانوني

قراءة 3723 مرات
قيم الموضوع
(1 تصويت)