طباعة
18 آذار 2014

مفهوم الشراكة بين المنظمات غير الحكومية والجهات الحكومية

  • الثلاثاء, 18 آذار/مارس 2014
ملخص
 تتناول الورقة البحثية قراءة في العلاقة بين المنظمات غير الحكومية و الجهات الحكومية في البلدان الخارجة من الدكتاتورية والمنفتحة على تعزيز اسس الحكم الرشيد وتوضح أهمية التعاون وتعزيز الشراكات بين الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية من أجل تحقيق الأهداف المشتركة وما يمكن ان تقدمه تلك الشراكات من فوائد وموارد إضافية للشركاء.

كما تتناول هذه الورقة الاسس المفترضة لشراكات فاعلة بين الجانبين للوصول الى النتائج المرجوة من عملية الشراكة. كما تتحدث عن انواع الشراكات والاطر القانونية والادارية المطلوبة لاستحداثها وتقويتها من ثم استدامتها وتشير الى مايحيط بمفهوم الشراكة من تحديات في كلا جانبي الشراكة من جهات حكومية ومنظمات غير حكومية.
وتتعرض الورقة الى أهم مباديء الشراكة بين الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية وتتناول كل مبدأ بشيء من التوضيح لبيان الاثر الذي يحدثه اتباع تلك المباديء في الوصول الى غاية درجات التكامل في العمل المشترك. وتورد الورقة البحثية بعض الأمثلة العالمية والوطنية في مجال الشراكة والتعاون بين الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية .  

نبذة عن NCCI
لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية لاجل العراق (NCCI) هي منظمة مستقلة أنشئت بهدف تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق لغرض توفير منتدى لنشاط جماعي للمنظمات غير الحكومية لتعزيز فعالية العمل الإنساني والتنموي في العراق. وتهدف NCCI لتحقيق الآتي:
-    أن تكون منتدى مستقل ومحايد وغير متحيز لتبادل المعلومات بين التنسيق بين مجتمع المنظمات غير الحكومية فيما يتعلق بالقضايا العامة والخاصة بكل قطاع والأنشطة المتصلة العراق وسكانه بغض النظر عن العرق والسياسة والجنس والدين.
-    الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وضمان أن يتم تحديد الاحتياجات الإنسانية والتنموية وتلبيتها.
-    تعمل مع الشركاء الاخرين لتعزيز قدرة المنظمات غير الحكومية في تقديم المساعدات الإنسانية والإنمائية لسكان العراق.

مقدمة
لقد شهدت العقد او العقدين الماضييين تغيرات هائلة في البنية السياسية والاجتماعية في العراق لعل اهمها إقامة الدعائم لبناء الديمقراطي نتجه لتطويره او تعزيزه بعد جملة من التغيرات التي جاءت والاخرى المتوقعة الحدوث إستكمالا لسلسلة التغيرات المطلوبة والتي كانت غايتها العظمى إشراك الشعوب في حكم انفسها وتحديد مستقبلها وتقرير توجهها التنموي. وفي هذا السياق فإن من النادر أن یختلف إثنان حول أھمیة القطاع الثالث (قطاع المجتمع المدني الممثل بمجتمع المنظمات غير الحكومية) لتطویر البناء الدیمقراطیة جنبا الى جنب مع القطاع الحكومي.
إن من البديهي في إطار اي تنمية فعلية فان المسؤولية تقع على عاتق الجميع وهي مسؤولية تشاركية هدفها الحصول على أفضل تلبية لاحتياجات المجتمع, فإذا كانت الغاية هي تنمية المجتمعات اجتماعيا واقتصاديا فإن من الضروري مشاركة المجتمع عن طريق تنظيماته في تصميم وتنفيذ ومن ثم مراقبة وتقييم الخطط التنموية. ولعل من الاشارات الايجابية والاهم في هذا السياق الرغبة المجتمعية المتنامية للمشاركة في صياغة السياسات العامة بالرغم من انخفاض مستويات المشاركة الشعبية في التصويت السياسي.
لقد شهد العراق تناميا مهما لحضور وتأثير للمنظمات غير الحكومية وخاصة في اطار المساهمات في التخفيف من التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها على الظروف الحياتية للمواطنين كما صار ينظر لها باعتبارها جهات فاعلة وناشطة في عملية التغيير المجتمعي. ولكن ماذا بعد الاعتراف باهمية المنظمات غير الحكومية في المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المنشودة في المنطقة؟ ان الشراكة بين السلطات العامة والمجتمع المدني يمكن عدها واحدة من أهم الخطوات المطلوبة في هذا السياق.

مفهوم الشراكة
لقد صار جليا أن احتياجات المجتمعات كثيرة جدًا ومشاكلها شديدة التعقيد الى درجة ان اي من القطاعات الثلاثة (الحكومية والخاص والمدني- الاهلي) لن يتمكن من تلبيت تلك الاحتياجات لوحده لذلك وفي هذا الإطار يتوجب على تلك القطاعات المتنوعة التعاون مع بعضها البعض لتحقيق رؤيتها المتمثلة في مجتمع أفضل. إن من خلال اتباع مبدأ الشراكة يمكن وصول مختلف الشركاء إلى موارد جديدة لم يكن لهم ان يملكوها من غير العمل مع الاخرين من بينها التمويل والمعلومات والخبرات والمهارات.
وقد تتيح الشراكات التي تقيمها الاطراف المختلفة الوصول إلى شريحة جديدة من الشرائح المستهدفة بين السكان وبالتالي توسيع قاعدة الدعم الشعبي للجهود التي تبذلها الجهات الحكومية أو غير الحكومية. كما يمكن أن تشكل الشراكات وسيلة هامة للمنظمات غير الحكومية الناشئة لبناء قدراتها والترويج لها والتوعية بها.
وقد بدأت العدید الدول حول العالم في تقدیر فضائل الشراكة والتعاون عن قرب بين الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية لمواجهة التحدیات لتلبیة الاحتياجات وتعزیز البناء الدیمقراطي. وفي هذا السياق تبين الورقة البیضاء للمفوضیة الأوروبیة حول الحكم الأوروبي طریقة استخدام الاتحاد الأوروبي الصلاحیات المعطاة له من قبل مواطنیه فمن أجل تعزیز التفاعل الأقوى بین المجتمع المدني وكل من الحكومات المركزیة والمحلیة تم تحديد خمسة مبادئ ھامة تتضمنها الورقة وهي: الانفتاح، الشراكة، المحاسبة، والفعالیة والتماسك. هذا فضلا عن جملة من النوایا العامة التي نصت عليها الورقة وهي:  الحوار والمشاورات والقیام بإجراءات ملموسة لتحسین وتوضیح التشریعات وتطویر المعاییر، وتنظیم مناقشات عامة، وتطویر میثاق شرف.
وتشير كثير من الدراسات والتقارير الى تعاون المنظمات غیر الحكومیة والجهات الحكومة في شتى بقاع المعمورة لزیادة مشاركة المواطنین في الحكم ولتحقیق مزید من المسئولیة والشفافیة ومزید من الوصول إلى المعلومات ودور أكبر للمنظمات غیر الحكومیة في صناعة السیاسة. وقد قاد هذا كله إلى مجالات تعاون إضافیة، مثل التواصل المبادر والتشبیك والشراكات التعلیمیة والھیاكل التشاوریة (مثل المجالس الاستشاریة) وقد تم استحدات العديد من آليات التواصل مثل مكاتب التمثيل للمنظمات غير الحكومية داخل المؤسسات الحكومية.
إن الطريق الى شراكة فاعلة بين السلطات العامة والمنظمات غير الحكومية هي ليست طريق سهلة وهي طريق تكتنفها الكثير من التحديات التي لا مجال لمواجهتها إلا من خلال تحديد اسس واضحة لولوج هذا المجال وتعزيز العمل فيه. ان وضع اسس متينة للشراكة بين المنظمات غير الحكومية والسلطات الحكومية يحتاج الى إخراج الامر من اطاره النظري الى الخطوات العملية التي تضمن مشاركة ناشطة بين كلا الجانبين ولعل من اهم تلك الخطوات العملية استحداث الاطر القانونية اللازمة لشراكة فاعلة بين السلطات العامة المنظمات غير الحكومية.

التحديات
في إطار من الوجود الحديث نسبيا للمنظمات غير الحكومية والتأريخ العميق والنمطي في الكثير من الاحيان للإدارات الحكومية تبرز جملة من التحديات التي يوجهها العمل المشترك بين المنظمات غير الحكومية والسلطات العامة لعل من ابرزها ضعف الثقة بين الطرفين وسوء الفهم للادوار والادوار المشتركة والتوقعات الخاطئة لما يمكن ان يقدمه كلا الطرفين. إن تلك التحديات التي يوجهها العمل المشترك لايمكن تجاوزه إلا من خطوات واسعة في عملية بناء الثقة والاقرار بالمصالح المشتركة وتحديد الادوار المتبادلة في اطار حوار جدي ومسؤول بين الطرفين.

وفي جانب اخر تبرز واحدة من اهم التحديات لاي توجه لخلق شراكة حقيقية بين مختلف الاطراف تتعلق بمفهوم الملكية واطار التمثيل فكيف يكون تمثيل المنظمات غير الحكومية وكيف يتم إختيار ممثلي المنظمات غير الحكومية وماهي حدود التفويض الذي سيمنح لهم وماهي الواجبات التي سيقومون بها.

ان الهياكل الادارية القديمة التي لازالت السمة الغالبة في بلدنا وانعدام الخبرة في التواصل ومستويات الشفافية والمساءلة الضعيفة على سواء في جانب السلطات العامة او في جانب المنظمات غير الحكومية هي من العوامل المعوقة لاي شراكة ولعل الاهتمام بعملية تنظيم الشراكة بنفس مستوى الاهتمام بمحتوى الشراكة عن طريق مأسسة الشراكة هو الاسلوب الامثل لوضع اسس لشراكات طويلة الامد سيتيح انتاج تجارب ناجحة تتجاوز التحديات ويفضي الى شراكة ناجحة متعددة الاطراف والمستويات.

وفي جانب المنظمات غير الحكومية فقد واكب إنتشارها في العراق ظھور جملة من التحدیات لعل أهمها حاجة قطاعات المنظمات غیر الحكومیة الناشئة إلى تطویر مزيد من القدرات والى الحصول على المزید من مصادر التمویل  المستدیمة بعد تلقيها دعما مبكرا وكبیرا من جھات خارجیة مانحة تميز بعدم الدوام. كما تحتاج المنظمات غير الحكومية الى تجاوز المنافسة والعداوة مع السلطات العامة المبنية على اساس المراقبة المسبقة ومحاولة العمل سوية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية المتزايدة فبالرغم من كون تلك المنظمات كیانات قانونیة مستقلة ذات مھام فریدة وخاصة إلا أنها لا یمكن لھا تحقیق أھدافھا بمعزل عن القطاعات الحكومیة.


مبادئ الشراكة
وعند الحديث عن الشراكة تبرز الى الاذهان جملة من المباديء التي لا يتحقق للشراكة معنى الا من خلالها ولعل من اهمها إحترام الاختلاف ومحاولة فهم المواقف الأخرى والاعتراف بالتنوع واحترام الحريات العامة والتعاون على أسس المساواة وتحديد الأدوار التكاملية. وعلى أساس من الالتزام الأخلاقي والمساءلة امام المواطنين يجب التوافق على قاعدة شراكة مبنية على المبادئ التالية :

•    المساواة: إن المساواة تتطلب الاحترام المتبادل بين أعضاء الشراكة بغض النظر عن حجم وقوة كل جانب. كما يجب أن يحترم الشركاء إستقلالية وإلتزامات وتعهدات شركائهم. أن هذا المبدأ لايعني عدم وجود معارضة بناءة بين الشركاء.
•    الشفافية: إن زيادة مستوى الثقة يتطلب أعلى درجات الشفافية التي يمكن تحقيقها باتباع أعلى درجات الوضوح والعلن والقبول بمشاركة المعلومة بين جمیع الأطراف. كما يتطلب التمتع بالشفافية اعتماد اسلوب الحوار المستمر مع التركيز على المشاورات المبكرة. ولعل من اهم اجزاء الشفافية الواجب تحققها هي الشفافية المالية.
•    المسؤولية: لأطراف الشراكة واجب أخلاقي تجاه بعضهم البعض لإنجاز مهامه بمسؤولية وبنزاهة وبطريقة مناسبة وملائمة. ويجب التأكد من أن الأطراف لا يقومون بأي إلتزامات إلا عندما يملكون الوسائل والكفاءات والمهارات والقدرة على الوفاء بتلك الإتزامات.
•    التكامل: التنوع في المجتمع الإنساني هو أحد الأصول إذا كان لنا أن نبني على مزايانا النسبية واستكمال مساهمات بعضنا البعض.

الشراكة بين الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية في العراق
لقد نص الدستور العراقي لسنة 2005 على حرص الدولة على تعزیز دور مؤسسات المجتمع المدني (المادة 45 اولا) وقد صدر  في العراق قانون للمنظمات غیر الحكومیة يعد الافضل في المنطقة ولكنه يحتاج الى المزيد ليكون متناسبا مع افضل الممارسات الدولية. وإنعكاسا للرغبة في تعزيز الديمقراطية في العراق فقامت الجهات التشريعية والتنفيذية بالتعاون والتشاور مع المنظمات غير الحكومية لصياغة ميثاق للتعاون السلطات العامة  مع المنظمات غير الحكومية يكون سياسة مقترحة لتشجيع العمل المشترك بين الحكومة العراقية والمنظمات غير الحكومية للعمل في المجال السياسي والاقتصادي وتطوير المجتمع في العراق. سوف توجد أحكام هذا الميثاق التزامات محددة قابلة للقياس للحكومة والبرلمان والمجتمع المدني ستساهم بإيجاد شراكة اكثر فاعلية ومنسقة بين القطاعات المختلفة.

لقد تم وضع مسودة الميثاق من قبل لجنة تتألف من اثني عشر عضوا في مجلس النواب العراقي وخمسة مسؤوولين حكومين وخمسة من قادة المجتمع المدني حيث تمت مناقشة وصقل المسودة من خلال اكثر من خمسين اجتماعات استشارية مع اكثر من 1000 ممثل عن المجتمع المدني في جميع محافظات العراق.

أن من المطلوب والمرحب به أم تحرص السلطات العامة على زيادة وتيرة المشاركة المجتمعية في الحياة العامة وصنع السياسات العامة والحوار مع الجميع من اجل تطوير تلك السياسات وضمان تنفيذها وتشجيع المشاركات متعددة المستويات. ولعل من المتطابات المهمة في هذا السياق تهيئة المنظمات غير الحكومية لمثل هذه الشراكة من خلال الاتزام الحكومي بتخصيص موارد لها للحفاظ على بيئة للعمل المجتمعي المستمر والمستدام. فبالرغم الحضور والتأثير في التخفيف من التحديات الاقتصادية والاجتماعية تبرز حقيقة حاجة منظمات المجتمع المدني الى قدرات خاصة للمشاركة الفعلية والفاعلة في بناء الدولة.

ويمكن للشراكات بين المنظمات غير الحكومية والجهات الحكومية أن تتخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين ما هو غير رسمي وغير منظم إلى ما هو رسمي ومنظم. ويمكن إقامة علاقات شراكة حيث يتم تبادل المعلومات ذات الصلة مع بعض البعض بانتظام لتبادل الخبرات والأفكار والتجارب. كما يمكن أن تكون هناك علاقات تعاونية عالية التنظيم حيث يتم تصميم وإدارة المشاريع المشتركة.

أن اي شراكة حقيقية لا یمكنھا النجاح إذا لم یتفھم كل جانب، ویحترم ویثق في أدوارومھام الآخرین فالحاجة ماسة في بلدنا للمزيد من حرية التعبير المجتمعي وكفاءة اعلى في الانصات الحكومي و قدرة اعلى على الحصول على المعلومات التي لايزال الغالب الاعظم منها حكرا على السلطات.

 
قراءة 3947 مرات
قيم الموضوع
(6 أصوات)