هل يحتاج العراق إلى مساعدات تحمل طابع مساعدات الطوارئ والمخصصة للدول الخارجة من نزاع ما؟ أم أن العراق قد انتقل إلى المرحلة التي يحتاج فيها إلى مساعدات تنموية؟ أم أنه يحتمل النوعين معاً؟ خلال السنوات الخمس الماضية وبخاصة بعد الانسحاب الأمريكي منه، ماتزال مسألة تصنيف حالة العراق موضع جدل.

تبرز مسألة النازحين داخلياً كأحد المؤشرات على عدم إتمام عملية الانتقال من حالة الطوارئ إلى حالة التنمية، حيث أن هناك عدد كبير من النازحين داخلياً بالرغم من أن معدل عودة البعض منهم إلى مناطق سكناهم الأصلية قد ازداد في السنوات والأشهر الأخيرة. تقول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن هناك "حوالي 470 ألف شخص يقيمون في 382 مجمعاً للنازحين في العراق ما يجعل من مشكلة النزوح الداخلي مشكلة رئيسية، ويحتاج النازحون داخلياً بشكل مستمر إلى المساعدة والحماية من قبل المفوضية إلى حين إيجاد حل ملائم للمصيبة التي ابتلوا بها."

وغير بعيد عن مشكلة النازحين، هناك تحديات أخرى انسانية وسياسية يواجهها العراق ومنها توفير احتياجات اللاجئين العراقيين العائدين إلى الوطن من الدول المجاورة، وهو أمر تسارعت وتيرته في الأشهر الأخيرة نتيجة للوضع في سورية، وكذلك على العراق أن يحل مشكلة المناطق المتنازع عليها، بالإضافة إلى تعزيز الأمن والتقليل من عدد الضحايا المدنيين، ومحاربة الفقر والأمية، وتمكين النساء والشباب، ورفع سوية القطاع الصحي وسواها من التحديات الأخرى.

وهناك مؤشرات ذات صلة بالتصنيف الحالي للعراق ومن بينها انسحاب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الانسانية في عام 2011، وبدء تنفيذ إطار المساعدات التنموية الذي ترعاه الأمم المتحدة بدلاً من خطة تقديم المساعدات في حالات الأزمة، ما يؤشر إلى قيام بعض الجهات الدولية بالدفع باتجاه تقديم المساعدات التنموية.

إن إطار المساعدات التنموية برعاية الأمم المتحدة هو إطار استراتيجي لبرنامج يوصف استجابة الأمم المتحدة للأولويات الوطنية التنموية في أي بلد. وهو إطار يستخدم بشكل كبير في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية من حالة الطوارئ إلى التنمية. وتقع معظم التحديات المذكورة أعلاه ضمن هذا الإطار، والذي تم التوقيع عليه للمرة الأولى بين الأمم المتحدة والحكومة العراقية في أيار 2010، ووصف بأنه خطوة هامة في تعافي العراق وانتقاله نحو تنمية مستدامة.

وبموجب إطار المساعدات التنموية تترتب أولوليات العراق التنموية كالآتي: حوكمة معززة، بما في ذلك حماية حقوق الانسان، نمو اقتصادي شامل وأكثر عدالة وديمومة، إدارة البيئة والمواءمة مع المعاهدات والالتزامات البيئية الدولية المصادق عليها، الحصول بشكل أكبر على الخدمات الأساسية ذات الجودة العالية، الاستثمار في رأس المال البشري وتمكين النساء والشباب والأطفال.

إلا أن استمرار تواجد (إيكو) المنظمة التابعة للاتحاد الأوروبي والمتخصصة بتقديم المساعدات في حالات الطوارئ، وكذلك الجهود التي تبذلها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الغذاء العالمية وغيرها من وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في حالات الطوارئ تشير إلى الاتجاه المعاكس، أي أن العراق مايزال بحاجة إلى مساعدات ذات طابع عاجل كما في حالات الطوارئ. وتتركز نقاط الضعف هذه جغرافياً في مناطق تخضع أيضاً لجدل سياسي كبير في العراق، ما يشير إلى مستويات مرتفعة جداً من "حالات طوارئ محتملة".

فيما الجدل مستمر، تقول إحدى المنظمات الدولية أنها انسحبت من العراق بالضبط للسبب المذكور أعلاه، أي انتقال العراق من حالة الطوارئ إلى التنمية.

أنترسوس في العراق

بدأت منظمة أنترسوس أولى نشاطاتها في العراق في تشرين الثاني عام 2002 وبدأت أولى عملياتها في ربيع عام 2003، إلا أنها أنهت عملها بشكل كامل في العراق في نهاية عام 2011. يقول الأمين العام لمنظمة أنترسوس ماركو روتيلي أن "منظمات المجتمع المدني العراقية تتطور وتتحسن على صعيد مقدرتها على الانجاز وهي في وضع أفضل الآن من حيث التمويل، ما يخفض بشكل جزئي من القيمة المضافة التي تقدمها أنترسوس (أو أي منظمة دولية أخرى عاملة في القطاع نفسه) بوجودها على الأرض. تعد أنترسوس والتي تأسست في ايطاليا منظمة تعمل في حالات الطوارئ. ويركز تفويضها على تقديم الإغاثة الطارئة مع وجود التواصل المناسب مع الجهات العاملة في مجال التنمية. بشكل عام نحن نعتقد بأن العراق قد دخل مرحلة إعادة التأهيل والتنمية، ما يقلل بشكل كبير من تأثير عملنا هناك."

وأما السبب الثالث بحسب أنترسوس فهو التوازن المطلوب بين الحاجة إلى تواجد الموظفين الدوليين في العراق ومخاطر ذلك مقارنة بعملية الانسحاب المخطط له من العراق.

عندما طرحنا على أنترسوس سؤال عما إذا كانت المنظمة قد واجهت أي مشاكل من ناحية التمويل أو تعرضت لأي ضغوط أدت بها في النهاية إلى اتخاذ قرار الإغلاق، كان الجواب بالنفي مع التأكيد بأن إنهاء العمل في العراق كان أمراً مخططاً له من قبل.

فحينما وحيثما يكون ذلك ممكناً، تنحو أنترسوس نحو تنفيذ مبدأ "الروابط ما بين الإغاثة وإعادة التأهيل والتنمية"، حيث كرست أنترسوس معظم نشاطاتها ووجودها في العراق في السنوات الماضية لتسليم ملكية المشاريع للشركاء المحليين الذين يعملون في بناء القدرات ونشاطات تعزيز منظمات المجتمع المدني بما فيها المنظمات غير الحكومية.

تاريخ أنترسوس في العراق

بدأت أنترسوس أول مهمة لها في العراق في تشرين الثاني 2002، وبدأت أولى عملياتها هناك في ربيع 2003. وكانت أولى العمليات والتي بدأت مباشرة قبل دخول قوات التحالف إلى العاصمة عبارة عن تزويد مشفى المنصور في بغداد بأدوية العلاج الكيماوي للأطفال، وتوزيع المساعدات وإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة. في عام 2003، وبدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، جلبت أنترسوس المساعدات للأكراد العائدين من إيران في مخيم الطاش للاجئين. وبعد ذلك بقليل بدأت بتقديم المساعدات لكبار السن المتروكين (بلا عائلات) وحماية صغار السن في المناطق الحضرية الفقيرة ومساندة العودة الطوعية من إيران إلى المملكة العربية السعودية. في الفترة ما بين نيسان وأيار 2004 خلال حصار الفلوجة، قدمت أنترسوس المساعدات من طعام ودواء وأغطية وغيرها من المواد للمقيمين في الفلوجة ولمن غادروها لاجئين إلى بغداد. ومنذ تشرين الأول 2004، ولأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية تم تبني مبدأ الإدارة عن بعد من قبل الموظفين الدوليين والذين تعاونوا مع موظفيين محليين لتنفيذ العمل. بالرغم من هذه المشاكل، تقول أنترسوس، كان من الهام جداً أكثر من أي وقت مضى أن يتم تقديم المساعدات المعنوية والمادية في العراق حيث كان الناس مايزالون يعانون من انعدام الأمن والاستقرار. لاحقاً ومع التحسن في الأوضاع الأمنية، تمكن الموظفون الدوليون من التنسيق بشكل أكبر وأطول مع الموظفين المحليين في تنظيم المهمات داخل البلاد. وفي السنتين الأخيرتين، تركز عمل أنترسوس على تقديم المساعدات الانسانية للنازحين ومن هم في مرحلة انتقالية وعلى المساعدة في اندماج من يرغبون في العودة. كما شاركت أنترسوس في التوعية بمخاطر الألغام وفي برنامج ايطالي-عراقي حول الاستشارات الطبية عبر وسائل الاتصال، وتدريب الأخصائيين الاجتماعيين العاملين في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

وبالفعل منذ عام 2003، قدمت أنترسوس مساعدات انسانية لأكثر من مليون ونصف عراقي عانوا من النزاع المستمر في البلاد. وعملت باتجاه تعزيز عمل المنظمات المحلية غير الحكومية في بغداد وديالى من خلال برنامج منح مصغرة. ومنذ عام 2006، وبفضل شبكة تم تأسيسها بين العراق وايطاليا للاستشارات الطبية عبر وسائل الاتصال، استفادت المشافي والأطباء والأطفال في بغداد والبصرة وأربيل من العلاج وكذلك من منتديات النقاش.

الدروس المستفادة

تقوم أنترسوس حالياً بوضع ورقة حول الدروس المستفادة من العراق، وخاصة من ناحية ظروف ومبررات التدخل الانساني في أزمة ما، مكونات وطبيعة الجهات غير الانسانية واحتمالات تشويش الصورة (صورة المنظمات)، القبول بوجود المخاطر وطبيعتها، تقييم التأثير الحاصل من عملية التدخل، فرق إعادة الإعمار المشروطة وتشويش الخط الفاصل ما بين العمل الانساني والنشاطات العسكرية، المساحة المتاحة للعمل الانساني، أمن وسلامة الموظفين، المصالح الاقتصادية والعمل الانساني ونظرة الشعب إليهما، الإدارة عن بعد، وأخيراً البلدان المجاورة والوضع في البلد المضيف لمكاتب الإدارة التي تتولى الإدارة عن بعد.

وتتوقع أنترسوس أيضاً أن تبدأ منظمات أخرى من بين المنظمات العاملة في مجال الطوارئ بالتفكير في الانسحاب من العراق أو تسليم عملياتها إلى فروعها التي تعنى بالتنمية.

هل حقق العراق النقلة من حالة الطوارئ إلى التنمية؟

تتطلب التنمية حداً معيناً من الأمن كشرط أساسي لتحقيقها. وقد انخفض العنف الكلي الموجه ضد المدنيين مقارنة بما كان عليه في ذروته عامي 2006 و2007، ما جعل العراق يحاول استضافة منتديات أقليمية كالقمة العربية التي استضافها في أواخر آذار 2012 (والتي سبق أن حاول استضافتها لكنها تأجلت العام الماضي)، وكذلك اجتماع الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (مجموعة 5+1) لمناقشة برنامج إيران النووي في أيار 2012. وفي كلتا المناسبتين كان لابد من فرض إجراءات أمنية مشددة. إلا أن المناسبتين مرتا من دون أي حادث أمني كبير يذكر ما يؤشر إلى النجاح إلى حد ما حققته الحكومة العراقية على هذا الصعيد.

وكذلك يلعب معدل النمو الاقتصادي دوراً هاماً في قياس عملية التنمية. في أيلول 2011، أكد وزير المالية العراقي رافع العيساوي لراديو سوا الأمريكي أن نسبة النمو في العراق (الأولوية رقم 2 بحسب إطار المساعدات التنموية) قد "بلغت خمسة في المئة" ومحذراً في الوقت نفسه من "نسبة التضخم التي تسبب ضغوطاً على المواطن العراقي." وكان الوزير يتحدث من واشنطن حيث شارك في اجتماع البنك الدولي وصندوق النقد.

أما المنظمة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات فتقدم أرقاماً مختلفة. ففي تقريرها الربعي الأول المنشور في عام 2012، تقول المنظمة بأن العراق قد حقق 9.6% من النمو الاقتصادي في عام 2011 ما يجعل العراق في الموقع الثاني بعد قطر في العالم العربي من ناحية النمو الاقتصادي. ويتوقع التقرير زيادة في النمو ستصل إلى 12.6% في العام الحالي، ما يجعل العراق إن تحقق ذلك الأول على اللائحة.

وهذه الأرقام التي قدمتها المنظمة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (وهي بحسب موقعها الالكتروني منظمة تضم في عضويتها جميع الدول العربية) لم تؤخذ على ما يبدو من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره عن تحديات التنمية في العالم العربي لعام 2011، والذي أطلق مؤخراً في بيروت (11 أيار 2012). فالتقرير يلفت انتباه القراء مسبقاً إلى أنه "لن يتعامل بشكل تفصيلي مع حالة خاصة أو مع دول النزاع، وعلى وجه الخصوص فلسطين والصومال والعراق. وليس المقصود من ذلك التقليل من أثر النزاعات على التنمية البشرية. بل على العكس، فنحن نعتقد أن القضية على قدر كبير من الأهمية ومن ثم فإنه لا يمكن معالجتها بصورة شكلية، وأنها تستحق اهتماماً خاصا يتجاوز حدود هذا التقرير." (الصفحة 16)

وبرز موضوع آخر ذا صلة بالتنمية هذا الأسبوع على صفحات وسائل الاعلام تحت عنوان مذهل "الملايين المخصصة للمساعدات في العراق لم تصرف بعد." ويقول المقال الذي كتبته الآسوشيتد بريس أن "ملايين الدولارات من المساعدات الدولية المخصصة لبناء وإصلاح مدارس العراق المتهالكة قد بقيت من دون أن تصرف لسنوات. والآن فإن الحكومة العراقية أمام خطر فقدان هذا التمويل لأن البنك الدولي يدرس ما إذا كان من الأفضل استخدام بعض هذه الأموال في بلدان أخرى." وإن حدث هذا فسيؤثر حتماً على تمكين الشباب والأطفال (الأولوية رقم 5 بحسب إطار المساعدات التنموية)، بالرغم من أن العراق بلد ثري وتبلغ موازنته السنوية 100 بليون دولار أمريكي.

بالعودة إلى الأولوية رقم 1 وهي "حوكمة معززة، بما في ذلك حماية حقوق الانسان"، فقد برزت مزاعم من قبل منظمة مراقبة حقوق الانسان فيما يتعلق "باستمرار وجود سجن سري وموقع مزعوم للتعذيب تحت سيطرة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالرغم من مرور أكثر من سنة منذ أن أمرت الحكومة بإغلاقه." ففي تقرير أطلقته في أيار 2012 قالت المنظمة أن "القوات الأمنية العراقية تعتقل الأشخاص خارج إطار القانون ومن دون أي محاكمة أو تهم معلنة وتخبئهم في مواقع مخفية."

يقول تقرير تحديات التنمية العربية أن "رسم مسار للتنمية العربية يرتكز بثبات على الكرامة الإنسانية التي تعزز الاندماج والاستيعاب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والعدل الاجتماعي والعدالة، ليس أمراً مرغوباً فيه فحسب، بل أنه أيضاً في المتناول." إن تمكن العراق من تفادي الفساد والتنمية غير المتوازنة التي تلتصق غالباً بما يطلق عليه "لعنة الموارد"، فإنه مقارنة بمصر واليمن على سبيل المثال يتمتع بأفضلية عنهما وخاصة أنه ثاني أكبر بلد من ناحية الاحتياطيات النفطية في العالم العربي. إن تحقق هذا ستكون التنمية في العراق في المتناول فعلاً.