هل يحتاج العراق إلى مساعدات تحمل طابع مساعدات الطوارئ والمخصصة للدول الخارجة من نزاع ما؟ أم أن العراق قد انتقل إلى المرحلة التي يحتاج فيها إلى مساعدات تنموية؟ أم أنه يحتمل النوعين معاً؟ خلال السنوات الخمس الماضية وبخاصة بعد الانسحاب الأمريكي منه، ماتزال مسألة تصنيف حالة العراق موضع جدل.

تبرز مسألة النازحين داخلياً كأحد المؤشرات على عدم إتمام عملية الانتقال من حالة الطوارئ إلى حالة التنمية، حيث أن هناك عدد كبير من النازحين داخلياً بالرغم من أن معدل عودة البعض منهم إلى مناطق سكناهم الأصلية قد ازداد في السنوات والأشهر الأخيرة. تقول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن هناك "حوالي 470 ألف شخص يقيمون في 382 مجمعاً للنازحين في العراق ما يجعل من مشكلة النزوح الداخلي مشكلة رئيسية، ويحتاج النازحون داخلياً بشكل مستمر إلى المساعدة والحماية من قبل المفوضية إلى حين إيجاد حل ملائم للمصيبة التي ابتلوا بها."

وغير بعيد عن مشكلة النازحين، هناك تحديات أخرى انسانية وسياسية يواجهها العراق ومنها توفير احتياجات اللاجئين العراقيين العائدين إلى الوطن من الدول المجاورة، وهو أمر تسارعت وتيرته في الأشهر الأخيرة نتيجة للوضع في سورية، وكذلك على العراق أن يحل مشكلة المناطق المتنازع عليها، بالإضافة إلى تعزيز الأمن والتقليل من عدد الضحايا المدنيين، ومحاربة الفقر والأمية، وتمكين النساء والشباب، ورفع سوية القطاع الصحي وسواها من التحديات الأخرى.

وهناك مؤشرات ذات صلة بالتصنيف الحالي للعراق ومن بينها انسحاب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الانسانية في عام 2011، وبدء تنفيذ إطار المساعدات التنموية الذي ترعاه الأمم المتحدة بدلاً من خطة تقديم المساعدات في حالات الأزمة، ما يؤشر إلى قيام بعض الجهات الدولية بالدفع باتجاه تقديم المساعدات التنموية.

إن إطار المساعدات التنموية برعاية الأمم المتحدة هو إطار استراتيجي لبرنامج يوصف استجابة الأمم المتحدة للأولويات الوطنية التنموية في أي بلد. وهو إطار يستخدم بشكل كبير في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية من حالة الطوارئ إلى التنمية. وتقع معظم التحديات المذكورة أعلاه ضمن هذا الإطار، والذي تم التوقيع عليه للمرة الأولى بين الأمم المتحدة والحكومة العراقية في أيار 2010، ووصف بأنه خطوة هامة في تعافي العراق وانتقاله نحو تنمية مستدامة.

وبموجب إطار المساعدات التنموية تترتب أولوليات العراق التنموية كالآتي: حوكمة معززة، بما في ذلك حماية حقوق الانسان، نمو اقتصادي شامل وأكثر عدالة وديمومة، إدارة البيئة والمواءمة مع المعاهدات والالتزامات البيئية الدولية المصادق عليها، الحصول بشكل أكبر على الخدمات الأساسية ذات الجودة العالية، الاستثمار في رأس المال البشري وتمكين النساء والشباب والأطفال.

إلا أن استمرار تواجد (إيكو) المنظمة التابعة للاتحاد الأوروبي والمتخصصة بتقديم المساعدات في حالات الطوارئ، وكذلك الجهود التي تبذلها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الغذاء العالمية وغيرها من وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في حالات الطوارئ تشير إلى الاتجاه المعاكس، أي أن العراق مايزال بحاجة إلى مساعدات ذات طابع عاجل كما في حالات الطوارئ. وتتركز نقاط الضعف هذه جغرافياً في مناطق تخضع أيضاً لجدل سياسي كبير في العراق، ما يشير إلى مستويات مرتفعة جداً من "حالات طوارئ محتملة".

فيما الجدل مستمر، تقول إحدى المنظمات الدولية أنها انسحبت من العراق بالضبط للسبب المذكور أعلاه، أي انتقال العراق من حالة الطوارئ إلى التنمية.

أنترسوس في العراق

بدأت منظمة أنترسوس أولى نشاطاتها في العراق في تشرين الثاني عام 2002 وبدأت أولى عملياتها في ربيع عام 2003، إلا أنها أنهت عملها بشكل كامل في العراق في نهاية عام 2011. يقول الأمين العام لمنظمة أنترسوس ماركو روتيلي أن "منظمات المجتمع المدني العراقية تتطور وتتحسن على صعيد مقدرتها على الانجاز وهي في وضع أفضل الآن من حيث التمويل، ما يخفض بشكل جزئي من القيمة المضافة التي تقدمها أنترسوس (أو أي منظمة دولية أخرى عاملة في القطاع نفسه) بوجودها على الأرض. تعد أنترسوس والتي تأسست في ايطاليا منظمة تعمل في حالات الطوارئ. ويركز تفويضها على تقديم الإغاثة الطارئة مع وجود التواصل المناسب مع الجهات العاملة في مجال التنمية. بشكل عام نحن نعتقد بأن العراق قد دخل مرحلة إعادة التأهيل والتنمية، ما يقلل بشكل كبير من تأثير عملنا هناك."

وأما السبب الثالث بحسب أنترسوس فهو التوازن المطلوب بين الحاجة إلى تواجد الموظفين الدوليين في العراق ومخاطر ذلك مقارنة بعملية الانسحاب المخطط له من العراق.

عندما طرحنا على أنترسوس سؤال عما إذا كانت المنظمة قد واجهت أي مشاكل من ناحية التمويل أو تعرضت لأي ضغوط أدت بها في النهاية إلى اتخاذ قرار الإغلاق، كان الجواب بالنفي مع التأكيد بأن إنهاء العمل في العراق كان أمراً مخططاً له من قبل.

فحينما وحيثما يكون ذلك ممكناً، تنحو أنترسوس نحو تنفيذ مبدأ "الروابط ما بين الإغاثة وإعادة التأهيل والتنمية"، حيث كرست أنترسوس معظم نشاطاتها ووجودها في العراق في السنوات الماضية لتسليم ملكية المشاريع للشركاء المحليين الذين يعملون في بناء القدرات ونشاطات تعزيز منظمات المجتمع المدني بما فيها المنظمات غير الحكومية.

تاريخ أنترسوس في العراق

بدأت أنترسوس أول مهمة لها في العراق في تشرين الثاني 2002، وبدأت أولى عملياتها هناك في ربيع 2003. وكانت أولى العمليات والتي بدأت مباشرة قبل دخول قوات التحالف إلى العاصمة عبارة عن تزويد مشفى المنصور في بغداد بأدوية العلاج الكيماوي للأطفال، وتوزيع المساعدات وإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة. في عام 2003، وبدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، جلبت أنترسوس المساعدات للأكراد العائدين من إيران في مخيم الطاش للاجئين. وبعد ذلك بقليل بدأت بتقديم المساعدات لكبار السن المتروكين (بلا عائلات) وحماية صغار السن في المناطق الحضرية الفقيرة ومساندة العودة الطوعية من إيران إلى المملكة العربية السعودية. في الفترة ما بين نيسان وأيار 2004 خلال حصار الفلوجة، قدمت أنترسوس المساعدات من طعام ودواء وأغطية وغيرها من المواد للمقيمين في الفلوجة ولمن غادروها لاجئين إلى بغداد. ومنذ تشرين الأول 2004، ولأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية تم تبني مبدأ الإدارة عن بعد من قبل الموظفين الدوليين والذين تعاونوا مع موظفيين محليين لتنفيذ العمل. بالرغم من هذه المشاكل، تقول أنترسوس، كان من الهام جداً أكثر من أي وقت مضى أن يتم تقديم المساعدات المعنوية والمادية في العراق حيث كان الناس مايزالون يعانون من انعدام الأمن والاستقرار. لاحقاً ومع التحسن في الأوضاع الأمنية، تمكن الموظفون الدوليون من التنسيق بشكل أكبر وأطول مع الموظفين المحليين في تنظيم المهمات داخل البلاد. وفي السنتين الأخيرتين، تركز عمل أنترسوس على تقديم المساعدات الانسانية للنازحين ومن هم في مرحلة انتقالية وعلى المساعدة في اندماج من يرغبون في العودة. كما شاركت أنترسوس في التوعية بمخاطر الألغام وفي برنامج ايطالي-عراقي حول الاستشارات الطبية عبر وسائل الاتصال، وتدريب الأخصائيين الاجتماعيين العاملين في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

وبالفعل منذ عام 2003، قدمت أنترسوس مساعدات انسانية لأكثر من مليون ونصف عراقي عانوا من النزاع المستمر في البلاد. وعملت باتجاه تعزيز عمل المنظمات المحلية غير الحكومية في بغداد وديالى من خلال برنامج منح مصغرة. ومنذ عام 2006، وبفضل شبكة تم تأسيسها بين العراق وايطاليا للاستشارات الطبية عبر وسائل الاتصال، استفادت المشافي والأطباء والأطفال في بغداد والبصرة وأربيل من العلاج وكذلك من منتديات النقاش.

الدروس المستفادة

تقوم أنترسوس حالياً بوضع ورقة حول الدروس المستفادة من العراق، وخاصة من ناحية ظروف ومبررات التدخل الانساني في أزمة ما، مكونات وطبيعة الجهات غير الانسانية واحتمالات تشويش الصورة (صورة المنظمات)، القبول بوجود المخاطر وطبيعتها، تقييم التأثير الحاصل من عملية التدخل، فرق إعادة الإعمار المشروطة وتشويش الخط الفاصل ما بين العمل الانساني والنشاطات العسكرية، المساحة المتاحة للعمل الانساني، أمن وسلامة الموظفين، المصالح الاقتصادية والعمل الانساني ونظرة الشعب إليهما، الإدارة عن بعد، وأخيراً البلدان المجاورة والوضع في البلد المضيف لمكاتب الإدارة التي تتولى الإدارة عن بعد.

وتتوقع أنترسوس أيضاً أن تبدأ منظمات أخرى من بين المنظمات العاملة في مجال الطوارئ بالتفكير في الانسحاب من العراق أو تسليم عملياتها إلى فروعها التي تعنى بالتنمية.

هل حقق العراق النقلة من حالة الطوارئ إلى التنمية؟

تتطلب التنمية حداً معيناً من الأمن كشرط أساسي لتحقيقها. وقد انخفض العنف الكلي الموجه ضد المدنيين مقارنة بما كان عليه في ذروته عامي 2006 و2007، ما جعل العراق يحاول استضافة منتديات أقليمية كالقمة العربية التي استضافها في أواخر آذار 2012 (والتي سبق أن حاول استضافتها لكنها تأجلت العام الماضي)، وكذلك اجتماع الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (مجموعة 5+1) لمناقشة برنامج إيران النووي في أيار 2012. وفي كلتا المناسبتين كان لابد من فرض إجراءات أمنية مشددة. إلا أن المناسبتين مرتا من دون أي حادث أمني كبير يذكر ما يؤشر إلى النجاح إلى حد ما حققته الحكومة العراقية على هذا الصعيد.

وكذلك يلعب معدل النمو الاقتصادي دوراً هاماً في قياس عملية التنمية. في أيلول 2011، أكد وزير المالية العراقي رافع العيساوي لراديو سوا الأمريكي أن نسبة النمو في العراق (الأولوية رقم 2 بحسب إطار المساعدات التنموية) قد "بلغت خمسة في المئة" ومحذراً في الوقت نفسه من "نسبة التضخم التي تسبب ضغوطاً على المواطن العراقي." وكان الوزير يتحدث من واشنطن حيث شارك في اجتماع البنك الدولي وصندوق النقد.

أما المنظمة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات فتقدم أرقاماً مختلفة. ففي تقريرها الربعي الأول المنشور في عام 2012، تقول المنظمة بأن العراق قد حقق 9.6% من النمو الاقتصادي في عام 2011 ما يجعل العراق في الموقع الثاني بعد قطر في العالم العربي من ناحية النمو الاقتصادي. ويتوقع التقرير زيادة في النمو ستصل إلى 12.6% في العام الحالي، ما يجعل العراق إن تحقق ذلك الأول على اللائحة.

وهذه الأرقام التي قدمتها المنظمة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (وهي بحسب موقعها الالكتروني منظمة تضم في عضويتها جميع الدول العربية) لم تؤخذ على ما يبدو من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره عن تحديات التنمية في العالم العربي لعام 2011، والذي أطلق مؤخراً في بيروت (11 أيار 2012). فالتقرير يلفت انتباه القراء مسبقاً إلى أنه "لن يتعامل بشكل تفصيلي مع حالة خاصة أو مع دول النزاع، وعلى وجه الخصوص فلسطين والصومال والعراق. وليس المقصود من ذلك التقليل من أثر النزاعات على التنمية البشرية. بل على العكس، فنحن نعتقد أن القضية على قدر كبير من الأهمية ومن ثم فإنه لا يمكن معالجتها بصورة شكلية، وأنها تستحق اهتماماً خاصا يتجاوز حدود هذا التقرير." (الصفحة 16)

وبرز موضوع آخر ذا صلة بالتنمية هذا الأسبوع على صفحات وسائل الاعلام تحت عنوان مذهل "الملايين المخصصة للمساعدات في العراق لم تصرف بعد." ويقول المقال الذي كتبته الآسوشيتد بريس أن "ملايين الدولارات من المساعدات الدولية المخصصة لبناء وإصلاح مدارس العراق المتهالكة قد بقيت من دون أن تصرف لسنوات. والآن فإن الحكومة العراقية أمام خطر فقدان هذا التمويل لأن البنك الدولي يدرس ما إذا كان من الأفضل استخدام بعض هذه الأموال في بلدان أخرى." وإن حدث هذا فسيؤثر حتماً على تمكين الشباب والأطفال (الأولوية رقم 5 بحسب إطار المساعدات التنموية)، بالرغم من أن العراق بلد ثري وتبلغ موازنته السنوية 100 بليون دولار أمريكي.

بالعودة إلى الأولوية رقم 1 وهي "حوكمة معززة، بما في ذلك حماية حقوق الانسان"، فقد برزت مزاعم من قبل منظمة مراقبة حقوق الانسان فيما يتعلق "باستمرار وجود سجن سري وموقع مزعوم للتعذيب تحت سيطرة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالرغم من مرور أكثر من سنة منذ أن أمرت الحكومة بإغلاقه." ففي تقرير أطلقته في أيار 2012 قالت المنظمة أن "القوات الأمنية العراقية تعتقل الأشخاص خارج إطار القانون ومن دون أي محاكمة أو تهم معلنة وتخبئهم في مواقع مخفية."

يقول تقرير تحديات التنمية العربية أن "رسم مسار للتنمية العربية يرتكز بثبات على الكرامة الإنسانية التي تعزز الاندماج والاستيعاب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والعدل الاجتماعي والعدالة، ليس أمراً مرغوباً فيه فحسب، بل أنه أيضاً في المتناول." إن تمكن العراق من تفادي الفساد والتنمية غير المتوازنة التي تلتصق غالباً بما يطلق عليه "لعنة الموارد"، فإنه مقارنة بمصر واليمن على سبيل المثال يتمتع بأفضلية عنهما وخاصة أنه ثاني أكبر بلد من ناحية الاحتياطيات النفطية في العالم العربي. إن تحقق هذا ستكون التنمية في العراق في المتناول فعلاً.

 

عادت مشكلة الاتجار بالبشر لتحتل عناوين الصحف في المنطقة ثانية، وهذه المرة يتعلق الأمر بالاتجار بالفتيات والأرامل السوريات تحت ذريعة الزواج والحماية. يعيد هذا الأمر إلى الذاكرة الويلات التي جرتها الحرب على العراق حيث تعرضت بعض اللاجئات إلى محاولات للاتجار بهن في الدول المجاورة للعراق وبعض دول الخليج العربي. إن الاتجار بالبشرة ظاهرة تنشط في الحروب وحالات اللااستقرار.

تقول هارتلاند ألايانس إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية والتي عملت مؤخراً مع الحكومة العراقية والمنظمات المحلية غير الحكومية في هذا المجال أنه "كلما أجبر الناس على أن يصبحوا لاجئين، يصبحون ضعفاء وعرضة للاستغلال. هناك اتجار بالبشر في العراق حالياً، وربما يحدث الشيء نفسه داخل مجتمع اللاجئين السوريين."

وفيما يبقى العراق مصنفاً في الفئة رقم 2 – قائمة المراقبة بحسب آخر تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية "محاربة الاتجار بالبشر تقرير 2012"، فقد حقق بعض التقدم السنة الماضية ولديه بالتأكيد قانون جيد لمحاربة الاتجار بالبشر للاتكاء عليه.

مع ذلك وبالرغم من كل الجهود التي تبذلها منظمات دولية وووطنية، لاتبدو مشاركة المجتمع المدني في محاربة الاتجار بالبشر في العراق بالقوة التي يجب أن تكون عليها.

ضعف اللاجئين

في استجابة لعدد من التقارير حول قيام رجال أردنيين بالزواج من فتيات سوريات مقيمات في مخيم الزعتري للاجئين السوريين شمال الأردن تحت مسمى "حمايتهن"، أطلقت مجموعة من الناشطين السوريين حملة على الانترنت تحمل عنوان "لاجئات لا سبايا"، حسبما أورد موقع لبنان الآن.

في بلدان أخرى، يبدو أن الشيء نفسه يحدث. أما في مخيم القائم في الأنبار في العراق فتسمع قصصاً مختلفة. إذ أن الروابط العائلية والقبلية ما بين اللاجئين السوريين الذين بدؤوا مؤخراً بالعبور إلى العراق بحثاً عن ملجأ آمن، وبين المجتمعات المضيفة في العراق – هذه الروابط قوية جداً ويحترمها الجميع. وبحسب ما أوردته واحدة من المنظمات المحلية غير الحكومية تم تسجيل حالة تحرش جنسي واحدة فقط داخل مخيم القائم وتمت معالجتها على الفور. وهناك عامل آخر يلعب دوراً رئيسياً في حماية الفتيات السوريات صغيرات السن من مصير كهذا وهو الإغلاق شبه التام للمخيم من قبل الحكومة العراقية، والتي تراقب عن كثب حركة الدخول والخروج.

مع ذلك تلفت هارتلاند ألايانس النظر إلى حقيقة هامة: "يمكن أن يحدث الاتجار بالبشر داخل حدود البلد نفسه من دون حتى أن تعبر الضحية من دولة إلى أخرى. فمثلاً تعرضت العديد من النساء العربيات من الجنوب إلى الخطف على أيدي الميليشيات المسلحة عام 2006 وتم بيع بعضهن للعمل في البغاء في أقليم كردستان. والبعض الآخر تعرضن للنقل عبر الحدود إلى سورية والإمارات العربية المتحدة ولبنان. في كركوك قبضت قوات الشرطة على رجل كان يعمل على بيع النساء إلى سورية. ويمكن للشيء نفسه أن يحدث الآن في الاتجاه المعاكس، أي أن يتم إجبار النساء السوريات على العمل في الدعارة في العراق. حتى تاريخه، لم يتم الإبلاغ عن أي حالة من هذا النوع، ولكن من الممكن أن يكون هذا من الأمور التي تحصل الآن أو قد تحصل لاحقاً."

تدرك وكالات الأمم المتحدة بالتأكيد أن الاتجار بالبشر يحدث ومن بين هذه الوكالات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ويمكن لأي شخص يشتبه في حدوث حالات من الاتجار بالبشر أن يقوم بالاتصال بإحدى وكالات الأمم المتحدة. قدم الاتحاد الأوروبي مؤخراً تدريبات تهدف إلى بناء قدرات النظام القضائي وسواه من الجهات الحكومية ذات الصلة من أجل محاربة هذه الجريمة. كذلك تراقب المنظمة الدولية للهجرة وعدد من المنظمات النسوية الوضع وخاصة المنظمات التي تعمل للحد من العنف المبني على النوع الاجتماعي والتي تصادف بشكل روتيني بعض ضحايا الاتجار بالبشر.

من جهتها تلتزم هارتلاند ألايانس بمساعدة الحكومة العراقية وحكومة أقليم كردستان من أجل تطبيق قانون محاربة الاتجار بالبشر وهي على استعداد دائم لتقديم المشورة.

فيما يتعلق بوضع اللاجئين السوريين، تبرز الحاجة إلى اتخاذ إجراءات وقائية منذ الآن.

قوانين محاربة الاتجار بالبشر في المنطقة

أصدر كل من لبنان والأردن وسورية ومؤخراً العراق قوانين تحارب الاتجار بالبشر من أجل قمع كافة أشكال هذه الجريمة. يبقى أن على تركيا أن تصدر قانوناً مماثلاً.

بالرغم من دخول قانون محاربة الاتجار بالبشر في العراق والذي يصفه تقرير الخارجية الأمريكية بأنه "قانون شامل" حيز التنفيذ، لم يصدر أي حكم قضائي بموجبه حتى الآن. قام العراق بمحاكمة وإدانة بعض المتاجرين بموجب قوانين أخرى، مستخدماً تهم الخطف والاعتداء والتورط في البغاء لإدانتهم.

بموجب القانون المذكور وبحسب المادة 2 منه تم تشكيل لجنة مركزية تدعى "اللجنة المركزية لمنع الاتجار بالبشر" وعقدت عدداً من الاجتماعات ووضعت مسودة للتعليمات التنفيذية التي تفسر عادة بنود القانون بهدف تسهيل عملية تنفيذه. في أواخر شهر أيلول 2012، عقدت اللجنة اجتماعاً ترأسه محافظ بغداد من أجل "وضع استراتيجية لتفعيل مهام اللجنة"، والتي تتشكل من ممثلين عن وزارات الخارجية وحقوق الانسان والعدل والمالية والشؤون الاجتماعية والهجرة وكذلك مفوضية حقوق الانسان وحكومة أقليم كردستان والأقاليم العراقية، إلا أنها لا تضم في عضويتها أي منظمة مجتمع مدني.

هارتلاند ألايانس في العراق

نفذت هارتلاند ألايانس مؤخراً مشروعاً في العراق قامت بموجبه بتقديم التمثيل القانوني والخدمات الاجتماعية لضحايا الاتجار بالبشر، وساعدت الحكومة العراقية على مقاضاة المتاجرين، ودربت قوات تطبيق القانون والمنظمات غير الحكومية على تحديد حالات الاتجار بالبشر والتصرف حيالها.

تم تنفيذ المشروع في كل من بغداد والبصرة وأقليم كردستان وكذلك في الأردن ولبنان. وحصل على المساعدة بموجبه أكثر من مئتي ضحية في فترة زمنية مقدارها ثلاث سنوات في العراق ولبنان والأردن، علماً بأن العدد الأكبر من هؤلاء كان في بغداد. وساعدت منظمة هارتلاند ألايانس على مقاضاة أكثر من 12 شخصاً لقيامهم بإجبار النساء على العمل في البغاء أو أشكال أخرى من العمل القسري. وفي القضايا التي تم تحويلها إلى المحاكمة في العراق قبل صدور القانون، تم النظر فيها على أنها قضايا اغتصاب ووجهت تهم الاغتصاب إلى مرتكبي الجريمة.

من الهام جداً أن نورد هنا تعريف الاتجار لأن الناس أحياناً تخلط ما بينه وبين تهريب البشر أو الدعارة، حسبما تقول هارتلاند ألايانس.

الاتجار بالبشر هو القيام بتجنيد أو احتجاز أو بيع أو تلقي شخص من خلال استخدام القوة والإكراه أو وسائل أخرى بهدف استغلال هذا الشخص. ويعني الاتجار بالبشر أن المتاجر يجبر شخصاً ما على القيام بأعمال أو تقديم خدمات من دون موافقة هذا الأخير أو من خلال خداعه. ومن بين أشكال الاتجار بالبشر هناك البغاء القسري واحتجاز جواز السفر والقيام باستغلال خدم المنازل مثلاً جسدياً أو جنسياً، وكذلك خداع الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة للعمل من دون أجر. يمكن أن يحدث الاتجار بالبشر داخل حدود الدولة أو بالعبور ما بين دولة وأخرى.

كان معظم الضحايا الذي قدمت هارتلاند ألايانس المساعدة لهم من النساء والفتيات اللوات تم إجبارهن على ممارسة البغاء. كما ساعدت المنظمة بعض العمال الأجانب وكذلك تعاونت مع المنظمة الدولية للهجرة والحكومة العراقية وحكومة أقليم كردستان من أجل صدور قانون محاربة الاتجار بالبشر في العراق وقد صدر في الربيع الماضي.

وحالياً تعمل هارتلاند ألايانس مع اللجنة المركزية من أجل تنفيذ القانون.

ثغرات في محاربة الاتجار بالبشر

تعتقد هارتلاند ألايانس أن هناك عدد من الثغرات التي يجب التغلب عليها.

بما أن هناك مناطق في العراق أصبحت أكثر استقراراً، عادت العمالة الأجنبية للدخول إليه وبخاصة إلى أقليم كردستان. والثغرة الكبرى هنا هي عدم استجابة الحكومة لحماية العمالة الأجنبية الذين يتعرضون لاحتجاز جوازات سفرهم أو يتم إجبارهم على القيام بأعمال لم يوافقوا على القيام بها، أو يتم استغلالهم من قبل أرباب العمل. أظهر تقرير نشر مؤخراً عن العمالة المنزلية في الأردن ولبنان أن أكثر من نصف العمالة الأجنبية الموجودة هناك تعروضوا لأذى جسدي من قبل أرباب العمل وأجبروا على القيام بأعمال لم ترد في عقود عملهم، وفي بعض الحالات تعرضوا لاعتداء جنسي من قبل أرباب العمل. والمشكلة نفسها موجودة في العراق. لذلك على الحكومة العراقية وبخاصة حكومة أقليم كردستان أن تضع آليات تطبيقية بحيث يمكن للعمالة الأجنبية أن تشتكي عند حدوث إساءة وأن يكون هناك من ينصت لهذه الشكاوى ويقدم الحماية. يجب عدم السماح لأرباب العمل احتجاز جوازات سفر العمال أو منعهم من مغادرة المنزل الذي يعملون فيه. على الحكومة أن تضع ضوابط على وكالات التوظيف وتتأكد من أن هذه الوكالات تزود العمالة الأجنبية بمعلومات عن حقوقهم. بالرغم من الخدمات القيمة التي تقدمها وكالات التوظيف إلا أن عليها أن تساعد في منع الاتجار بالبشر وكذلك يجب أن يتم تنظيم هذه الوكالات ومراقبتها من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية.

تتعرض النساء والفتيات اللواتي تم إجبارهن على العمل في البغاء لمخاطر جمة في كل أنحاء العراق. وفي بعض الحالات لا تعتبر قوات الشرطة والقضاة أن الإكراه أو الإجبار دفاع كاف في قضايا الدعارة. من الهام جداً أن يتذكر المرء أن المرأة عندما تجبر على ممارسة البغاء فهي ضحية وليست مجرمة. وأحياناً تكون النساء والفتيات قد أجبرن على ذلك من قبل عائلاتهن. وفي هذه الحالة تشعر عائلات أخرى بالعار مما حدث وتلوم الفتاة وتحاول حتى قتلها. من هنا فإن التخطيط لحماية الضحية وسرية الحالة يلعبان دوراً هاماً. يمكن في حالات كثيرة أن يتم لم شمل الضحايا من النساء مع عائلاتهن، ولكن يجب ترتيب لم الشمل هذا ومراقبته بحذر شديد. وتبرز مشكلة أخرى على هذا الصعيد فالنساء اللواتي لا يمكن لم شملهن مع عائلاتهن يجب أن يحصلن على حياة آمنة ومستقلة من دون أن يقعن ضحية للاتجار بهن مرة أخرى.

على أي منظمة تعمل مع ضحايا الاتجار بالبشر من النساء أن تمتلك خبرة في حماية ضحايا العنف المبني على النوع الاجتماعي، لأن بعض المشاكل التي تواجهها النساء هي ذاتها في الحالتين. كما أن على أي برنامج من هذا النوع أن يتبنى مقاربة تركز على الضحية. ولا يكون الحل السهل هو الحل الأفضل في بعض الحالات. فضحايا الاتجار بالبشر يفقدن القدرة على اتخاذ القرارات فيما يخص حياتهن. ولذلك تتحمل البرامج التي تقدم المساعدات لهؤلاء المسؤولية عن حمايتهن وأيضاً عن تعزيز قدرتهن على اتخاذ مثل هذه القرارات.

بناء القدرات

في مشروعها في العراق، عقدت هارتلاند ألايانس شراكات مع منظمات محلية مثل هاريكار والمسلة في أقليم كردستان، وتلقت هذه المنظمات تدريباً حول الخدمات القانونية والوساطة. كما تم بناء قدرات هذه المنظمات من خلال التعلم بالممارسة بحكم عملها اللصيق مع منظمة دولية تعنى بحقوق الانسان والاستجابة إلى الاحتياجات الانسانية لدى المجموعات المهددة وخاصة الفقراء والمعزولين والنازحين من خلال تقديم الخدمات الشاملة والمحترمة لهم وتعزيز الحلول الدائمة بهدف بناء مجتمع عادل.

وأيضاً قامت هارتلاند ألايانس بتدريب رجال الشرطة والأسايش في أقليم كردستان. وربما يراقب البعض من هؤلاء حالياً الوضع في ضوء تدفق اللاجئين السوريين مؤخراً إلى العراق. وهناك من رجال الشرطة من يفهم جيداً جريمة الاتجار بالبشر ويمكن الاعتماد عليهم لمساعدة الضحايا بطريقة انسانية.

المشاركة الآن

بحسب هارتلاند ألايانس يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أن تشارك في محاربة الاتجار بالبشر بطرق متعددة.

أولاً يمكن لهذه المنظمات أن تعمل على تثقيف نفسها وتثقيف المجتمع العراقي حول الاتجار بالبشر وتعزيز فكرة أن النساء والفتيات لسن سلعة. وكذلك أن النساء اللواتي يتم إجبارهن على البغاء ضحايا ولسن مجرمات. كما يجب عدم إرغام النساء والفتيات على الزواج من دون رضاهن، أو مبادلتهن من أجل تسوية خلافات قائمة بين العائلات، كما يحدث في بعض أنحاء العراق حتى الآن. تغيير هذا النمط من التعامل يحتاج إلى تثقيف وفي هذا المجال يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أن تلعب دوراً كبيراً.

ثانياً هناك العديد من المنظمات النسائية التي تقدم خدمات هامة إلى ضحايا الاتجار. لكنها بحاجة إلى مزيد من التمويل وإلى دعم رسمي من المؤسسات الحكومية. ويمكن للمنظمات النسائية أن تعمل بالتعاون مع الشرطة لمراقبة حقوق النساء وتثقيف رجال الشرطة لناحية التعرف على الضحايا.

ثالثاً يمكن لهذه المنظمات أن تقدم المعلومات للمنظمة الدولية للهجرة التي تتابع وترصد حالات الاتجار بالبشر في العراق.

رابعاً على المنظمات أن تتذكر أن العمالة الأجنبية قد تقع ضحية للاتجار أيضاً. ومطلوب منها وخاصة تلك التي لديها مشاريع تتضمن خدمات قانونية أو تدير دور إيواء أن تكون مستعدة لمساعدة العمالة الأجنبية عند الحاجة إن كانت هذه العمالة مهددة بالعنف.

كل منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة في العراق مدعوة لتقديم المزيد من المبادرات لمنع الاتجار بالبشر وحماية الضحايا. كل هذه المنظمات مدعوة للمشاركة في محاربة الاتجار بالبشر.